أبي الفرج الأصفهاني
334
الأغاني
المطبخ ، فذكر أشياء يسيرة ، منها قطعة جدي وطباهج [ 1 ] ودرّاج معلَّق . فقال : ما أريد غير ذلك ، هاته الساعة . فقلت للطبّاخ : عجّل بإحضاره ، وعملت على الأكل معه وعلى أن نأخذ في شأننا . فدخل حاجبي فقال : رسول الأمير إسحاق [ 2 ] بن إبراهيم بالباب ، وإذا فرانق يذكر أنه وجّه به إلى محمد بن الفضل ليحضره . قال فقال لي إسحاق : قم في حفظ اللَّه واجتهد في أن تتعجّل . قال : فتقدّمت إلى الخادم بإخراج الجواري إليه ووضع النّبيذ بين يديه ، ولبست ثيابي وخرجت وركبت . فلمّا سرت قليلا قلت في نفسي : أنا أخسر النّاس صفقة إن تركت إسحاق بن إبراهيم الموصليّ في منزلي ومضيت إلى إسحاق بن إبراهيم المصعبيّ ، ولا أدري ما يريد منّي . فقلت لفرانق : هل لك في خير ؟ قال : وما هو ؟ قلت : تأخذ ثلاثين درهما وتمضي فتقول : إنك وجدتني شارب دواء . قال نعم . فدفعت إليه ثلاثين درهما ، وختمت له ختما ورجعت . فقال لي إسحاق : أسرعت الكَّرة ، فأخبرته بما صنعت ؛ فقال وفّقت . فجلست وكان يأكل فأكلت معه ، فأخذنا في شأننا . وخرج الجواري إليه فغنّين حتى مرّ صوت إبراهيم بن المهديّ في شعره وهو : جدّد الحبّ بلايا أمرها ليس يسيرا / - ولحنه من الثّقيل الثاني - قال : فطرب إسحاق طربا ما رأيته طرب مثله قطَّ ، وعجب من إحسانه في صنعته وجودة قسمته ، ولم يزل صوتنا يومنا أجمع لا نغنّي غيره حتى شرب إسحاق قطر ميزة [ 3 ] ، وفيه من المشمّس [ 4 ] الذي كان يشربه ثلاثة عشر رطلا ، وكلَّما حضرت صلاة قام إسحاق يصلَّي بنا ، فصلَّى بنا العتمة وقد فني قطر ميزه فشرب من نبيذي رطلين على الصوت . قال : وكان محمد بن الفضل ينزل بسوق الثلاثاء وإسحاق ينزل على نهر المهديّ . وقد وزّر محمد بن الفضل للمتوكَّل قبل عبيد اللَّه بن يحيى . نسبة هذا الصوت جدّد الحبّ بلايا أمرها ليس يسيرا كبر الحبّ وقدما كان إذ حلّ صغيرا ذلَّل [ 5 ] الحبّ رقابا كان أدناها عسيرا ليس لي من حبّ إلفي غير حرماني السرورا الشّعر والغناء لإبراهيم بن المهديّ ثاني ثقيل . أحب جارية عند بعض أهله وقال فيها شعرا : أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثني محمد بن موسى بن حمّاد قال حدّثني عبد الوهّاب بن محمد بن عيسى قال :
--> [ 1 ] الطباهج : الكباب . ( فارسي معرب ) . والدراج : ضرب من الطير يطلق على الذكر والأنثى . [ 2 ] هو إسحاق بن إبراهيم المصعبي حاكم بغداد في أيام المأمون والمعتصم والواثق ، وهو من أرباب المكانة العالية في الرواية والأدب ونقد الغناء . ( انظر الحاشية رقم 1 من كتاب « التاج » للجاحظ ص 31 ) . [ 3 ] القطرميز : قلة كبيرة من الزجاج ، فارسي معرب . [ 4 ] كذا في ج ولعله يعني به نبيذا من الأنبذة صنع في الشمس . وفي أ ، م : « المشمشي » . وفي ب ، س : « المشمش » . [ 5 ] في أ ، م : « ملك » .