أبي الفرج الأصفهاني
332
الأغاني
سأله الرشيد عن أحسن الأسماء وأسمجها فأجابه : أخبرني جعفر بن قدامة [ 1 ] قال حدّثتني شارية الكبرى مولاة إبراهيم بن المهديّ قالت : سمعت مولاي إبراهيم بن المهديّ يحدّث قال : كنت بين يدي الرشيد جالسا على طرف حرّاقة من حرّاقاته وهو يريد الموصل / وقد بلغنا إلى السودقانية [ 2 ] ، والمدّادون يمدّون السفن ، والشّطرنج بيني وبينه ، والدّست متوجّه له ، إذ أطرق هنيهة ثم قال لي : يا بن أمّ ، ما أحسن الأسماء عندك ؟ قلت : محمد اسم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم . قال : ثم أيّ شيء بعده ؟ قلت : هارون اسم أمير المؤمنين . قال : فما أسمج الأسماء ؟ قلت : إبراهيم . فزجرني ثم قال : ويحك ! أتقول هذا ! أليس هو اسم إبراهيم خليل الرحمن ! فقلت له : بشؤم هذا الاسم لقي من نمرود ما لقي وطرح في النار . قال : فإبراهيم ابن النبيّ صلى اللَّه عليه وسلم ؟ قلت : لا جرم أنه لم يعمّر من أجله . قال : فإبراهيم الإمام ؟ قلت بحرفة [ 3 ] اسمه قتله مروان في حرّان [ 4 ] . وأزيدك يا أمير المؤمنين : إبراهيم بن الوليد خلع ، وإبراهيم بن عبد اللَّه بن حسن قتل ، وعمّه إبراهيم بن حسن سقط عليه السجن فمات ، وما رأيت واللَّه أحدا يسمّى / بهذا الاسم إلَّا قتل أو نكب أو رأيته مضروبا أو مقذوفا أو مظلوما . ثم ما انقضى الكلام حتى سمعت ملَّاحا يصيح بآخر : مدّ يا إبراهيم يا عاضّ بظر أمّه مدّ . فقلت له : أبقي لك شيء بعد هذا ! ليس واللَّه في الدنيا اسم أشأم من إبراهيم والسلام . فضحك واللَّه حتى أشفقت عليه . غنى المأمون لحنا عرض فيه بالحسن بن سهل : حدّثني جحظة قال حدّثني أبو عبد اللَّه الهشاميّ عن أبيه قال : دخل الحسن بن سهل على المأمون وهو يشرب ؛ فقال له : بحياتي وبحقّي عليك يا أبا محمد إلَّا شربت معي قدحا ، وصبّ له من نبيذه قدحا . فأخذه بيده وقال له : من تحبّ أن يغنّيك ؟ فأومأ إلى إبراهيم بن المهديّ فقال له المأمون : غنّه يا عمّ ، فغنّاه : تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت يعرّض به لما كان لحقه من السوداء والاختلاط . فغضب المأمون حتى ظنّ إبراهيم أنّه سيوقع به ، ثم قال له : أبيت إلَّا كفرا يا أكفر خلق اللَّه لنعمه ! واللَّه ما حقن دمك غيره ! ولقد أردت قتلك فقال لي : إن عفوت عنه فعلت فعلا لم يسبقك إليه أحد ، فعفوت واللَّه عنك لقوله . أفحقّه أن تعرّض به ولا تدع كيدك ولا دغلك ! أو أنفت من إيمائه إليك بالغناء ! . فوثب إبراهيم قائما وقال : يا أمير المؤمنين ، لم أذهب حيث ظننت ، ولست بعائد ؛ فأعرض عنه .
--> [ 1 ] في ب ، س : « جعفر بن محمد بن قدامة » . وقد تقدم هذا الاسم في رجال السند غير مرة . [ 2 ] ظاهر من السياق أنها موضع . [ 3 ] كذا في الأصول وهو تحريف والمعنى المراد واضح إذ هو يريد بشؤم اسمه أو نحو ذلك . [ 4 ] في بعض الأصول هكذا : « في جراب النورة » وفي بعضها : « في حراب النورة » وكلاهما تحريف . والمذكور في كتب التاريخ : أن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس القائم بالدعوة العباسية قتله مروان بن محمد وهو في سجنه بحران ، وقيل : إنه مات بالطاعون فيه ، وقيل : إنه مات مسموما . وحران مدينة عظيمة وهي قصبة ديار مضر على طريق الموصل والشام والروم . ( انظر « تاريخ الطبري » ق 3 ص 24 - 27 « ومعجم البلدان » لياقوت في الكلام على « حران » ) .