أبي الفرج الأصفهاني
245
الأغاني
أبناء معاوية فظفر بهم وساق أموالهم في يوم يقال له يوم اللَّوى ومضى بها . ولما كان منهم غير بعيد قال : انزلوا بنا ، فقال له / أخوه دريد : يا أبا فرعان - وكانت لعبد اللَّه ثلاث كنى : أبو فرعان ، وأبو ذفافة ، وأبو أوفى ، وكلَّها قد ذكرها دريد في شعره - : نشدتك اللَّه ألَّا تنزل فإنّ غطفان ليست بغافلة عن أموالها ، فأقسم لا يريم حتى يأخذ مرباعه [ 1 ] وينقع نقيعه [ 2 ] ، فيأكل ويطعم ويقسم البقيّة بين أصحابه ، فبينا هم في ذلك وقد سطعت الدّواخن ، إذا بغبار قد ارتفع أشدّ من دخانهم ، وإذا عبس وفزارة وأشجع قد أقبلت فقالوا لربيئتهم [ 3 ] : انظر ما ذا ترى ؟ فقال أرى قوما جعادا كأن سرابيلهم قد غمست في الجاديّ [ 4 ] قال : تلك أشجع ، ليست بشيء . ثم نظر فقال : أرى قوما كأنهم الصّبيان ، أسنّتهم عند آذان خيلهم . / قال : تلك فزارة . ثم نظر فقال : أرى قوما أدمانا [ 5 ] كأنما يحملون الجبل [ 6 ] بسوادهم ، يخدّون [ 7 ] الأرض بأقدامهم خدّا ، ويجرّون رماحهم جرّا ، قال : تلك عبس والموت معهم ! فتلاحقوا بالمنعرج من رميلة اللَّوى فاقتتلوا فقتل رجل من بني قارب وهم من بني عبس عبد اللَّه بن الصّمّة فتنادوا : قتل أبو ذفافة ! فعطف دريد فذبّ عنه فلم يغن شيئا وجرح دريد فسقط فكفّوا عنه وهم يرون أنه قتل ، واستنقذوا المال ونجا من هرب . فمرّ الزّهدمان وهما من بني عبس ، وهما زهدم وقيس ابنا حزن بن وهب بن رواحة وإنما قيل لهم الزّهدمان تغليبا لأشهر الاسمين عليهما ، كما قيل العمران لأبي بكر وعمر رضي اللَّه عنهما ، والقمران للشمس والقمر . قال دريد : فسمعت زهدما العبسيّ يقول لكردم الفزاريّ إني لأحسب دريدا حيّا / فانزل فأجهز عليه ، قال : قد مات ، قال : انزل فانظر إلى سبّته [ 8 ] هل ترمّز ؟ قال دريد : فسددت من حتارها [ 9 ] أي من شرجها ، قال فنظر فقال : هيهات ، أي قد مات ، فولَّى عنّي ، قال ومال بالزّجّ في شرج دريد فطعنه فيه فسال دم كان قد احتقن في جوفه ، قال دريد فعرفت الخفّة حينئذ فأمهلت ، حتى إذا كان الليل مشيت وأنا ضعيف قد نزفني [ 10 ] الدّم حتى ما أكاد أبصر ، فجزت بجماعة تسير [ 11 ] فدخلت فيهم ، فوقعت بين عرقوبي بعير ظعينة ، فنفر البعير فنادت : نعوذ باللَّه منك ، فانتسبت لها فأعلمت الحيّ بمكاني ، فغسل عنّي الدم وزوّدت زادا وسقاء فنجوت ، وزعم بعض الغطفانيّين أن المرأة كانت فزاريّة وأنّ الحيّ كانوا علموا بمكانه فتركوه فداوته المرأة حتى برأ ولحق بقومه ، قال : ثم حجّ كردم بعد ذلك في نفر من بني عبس ، فلما قاربوا ديار دريد تنكَّروا خوفا ، ومرّ بهم فأنكرهم ، فجعل يمشي فيهم ويسألهم من هم ؟ فقال له كردم : عمّن تسأل ؟ فدفعه دريد ، وقال : أمّا عنك وعمّن معك فلا أسأل أبدا ، وعانقه ، وأهدي إليه فرسا وسلاحا ، وقال له : هذا بما فعلت بي يوم اللَّوى .
--> [ 1 ] المرباع بكسر أوله : ربع الغنيمة ، وهو حظ الرئيس في الجاهلية . [ 2 ] نقع الشيء في الماء وغيره ينقعه ( من باب فتح ) فهو نقيع ، ومثله أنقعه . نبذه : أي اتخذ منه النبيذ . [ 3 ] الربيئة : الطليعة . [ 4 ] الجاديّ : الزعفران . [ 5 ] الأدمان : جمع آدم على مثال سودان وحمران . والآدم من الناس : الأسمر . [ 6 ] في ج م : « الأرض » . [ 7 ] يخدون : يشقون . [ 8 ] السبة بالضم : الاست . وترمز ( بحذف إحدى تاءيها ) : تضطرب وتتحرك . [ 9 ] الحتار بالكسر : ما أحاط بالشيء كحتار الغربال والمنخل . [ 10 ] يقال : نزف الدم فلانا فهو منزوف ونزيف أي سال منه دم كثير حتى يضعف . [ 11 ] في « أ ، م » : « قيس » .