أبي الفرج الأصفهاني
320
الأغاني
قصته مع ابن بسخنر وجاريته شارية ومخارق وعلوية : / أخبرني عليّ بن إبراهيم الكاتب قال حدّثنا عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن خرداذبه قال حدّثني محمد بن الحارث بن بسخنّر قال : وجّه إليّ إبراهيم بن المهديّ يوما يدعوني ، وذلك في أوّل خلافة المعتصم ، فصرت إليه وهو جالس وحده وشارية جاريته خلف السّتارة ، فقال : إني قلت شعرا وغنّيت فيه وطرحته على شارية فأخذته وزعمت أنّها أحذق به منّي ، وأنا أقول / إني أحذق به منها ، وقد تراضينا بك حكما بيننا لموضعك من هذه الصناعة ، فاسمعه منّي ومنها واحكم ولا تعجل حتى تسمعه ثلاث مرّات . فقلت نعم . فاندفع يغنّي بهذا الصوت : أضنّ بليلى وهي غير سخيّة وتبخل ليلى بالهوى وأجود فأحسن وأجاد . ثم قال لها : تغنّي ، فغنّته فبرّزت فيه حتى كأنه كان معها في أبيجاد ، ونظر إليّ فعرف أنّي قد عرفت فضلها عليه ، فقال : على رسلك ! وتحدّثنا ساعة وشربنا . ثم اندفع فغنّاه ثانية فأضعف في الإحسان ، ثم قال لها : تغنّي ، فغنّت فبرت وزادت أضعاف زيادته ، وكدت أشقّ ثيابي طربا . فقال لي : تثبّت ولا تعجل . ثم غنّاه ثالثة فلم يبق غاية في الإحكام ، ثم أمرها فغنّت ، فكأنه إنما كان يلعب . ثم قال لي : قل ، فقضيت لها ؛ فقال : أصبت ، فكم تساوي عندك ؟ فحملني الحسد له عليها والنّفاسة بمثلها أن قلت : تساوي مائة ألف درهم . فقال : أو ما تساوي على هذا الإحسان وهذا التّفضيل إلَّا مائة ألف ! قبح اللَّه رأيك ! واللَّه ما أجد شيئا أبلغ في عقوبتك من أن أصرفك ، قم فانصرف إلى منزلك مذموما . فقلت له : ما لقولك اخرج من منزلي جواب ، وقمت وانصرفت ، وقد أحفظني كلامه وأرمضني [ 1 ] . فلمّا خطوت خطوات التفتّ إليه فقلت له : يا إبراهيم ! أتطردني من منزلك ! فو اللَّه ما تحسن أنت ولا جاريتك شيئا . وضرب الدّهر ضربانه ، ثم دعانا المعتصم بعد ذلك وهو بالوزيريّة في قصر التّل [ 2 ] ، فدخلت أنا ومخارق وعلَّويه ، وإذا أمير المؤمنين مصطبح وبين يديه ثلاث جامات : جام قضّة مملوءة دنانير جددا ، وجام ذهب مملوءة دراهم جددا ، وجام قوارير مملوءة عنبرا ، فظننّا أنها لنا بل لم نشكّ في ذلك ، فغنّيناه وأجهدنا / أنفسنا ، فلم يطرب ولم يتحرّك لشيء من غنائنا . ودخل الحاجب فقال : إبراهيم بن المهديّ . فأذن له فدخل ، فغنّاه أصواتا أحسن فيها ، ثم غنّاه بصوت من صنعته وهو : ما بال شمس أبي الخطَّاب قد غربت يا صاحبيّ أظنّ الساعة اقتربت فاستحسنه المعتصم وطرب له ، وقال : أحسنت واللَّه ! فقال إبراهيم : يا أمير المؤمنين فإن كنت أحسنت فهب لي إحدى هذه الجامات ؛ فقال : خذ أيّتها شئت ، فأخذ التي فيها الدنانير ؛ فنظر بعضنا إلى بعض . ثم غنّاه إبراهيم بشعر له وهو : فما مزّة قهوة قرقف شمول تروق براووقها [ 3 ] فقال : أحسنت واللَّه يا عمّ وسررت . فقال : يا أمير المؤمنين إن كنت أحسنت فهب لي جاما أخرى ؛ فقال : خذ أيّتهما شئت ، فأخذ الجام التي فيها الدراهم ؛ فعند ذلك انقطع رجاؤنا منها . وغنّاه بعد ساعة :
--> [ 1 ] في أ ، م : « وأمضني » . [ 2 ] في ب ، س : « قصر الليل » . [ 3 ] المزة والقهوة والفرقف والشمول : من أسماء الخمر . والراووق : باطية الخمر .