أبي الفرج الأصفهاني

317

الأغاني

قال لي أحمد ولم يدر ما بي أتحبّ الغداة عتبة حقّا وهو متّكىء . فلما فرغ منه ترنّم به مخارق فأحسن فيه وأطربنا وزاد على إبراهيم ، فأعاده إبراهيم وزاد في صوته فعفّى على غناء مخارق . فلما فرغ ردّه مخارق وغنّى فيه بصوته كلَّه وتحفّظ فيه ، فكدنا نطير سرورا . واستوى إبراهيم جالسا وكان متّكئا فغنّاه بصوته كلَّه ووفّاه نغمه وشذوره ، ونظرت إلى كتفيه تهتزّان وبدنه أجمع يتحرّك حتى فرغ منه ، ومخارق شاخص نحوه يرعد وقد انتقع لونه وأصابعه تختلج ؛ فخيّل لي واللَّه أنّ الإيوان يسير بنا . فلمّا فرغ منه تقدّم إليه مخارق فقبّل يده وقال : جعلني اللَّه فداك أين أنا منك ! ثم لم ينتفع مخارق بنفسه بقيّة يومه في غنائه ، واللَّه لكأنما كان يتحدث . نسبة هذا الصوت قال لي أحمد ولم يدر ما بي أتحبّ الغداة عتبة حقّا فتنفّست ثم قلت نعم حبّ أجرى في العروق عرقا فعرقا ما لدمعي عدمته ليس يرقا [ 1 ] إنما يستهلّ غسقا فغسقا [ 2 ] طربا نحو ظبية تركت قلبي من الوجد قرحة ما تفقّا [ 3 ] / الشعر لأبي العتاهية . والغناء لفريدة خفيف رمل بالوسطى . وفيه لإبراهيم بن المهديّ خفيف رمل آخر . ولفريدة أيضا لحن من الثقيل الثاني في أبيات من هذه القصيدة وهي : قد لعمري ملّ الطبيب وملّ ال أهل منّي مما أداوى وأرقى ليتني متّ فاسترحت فإنّي أبدا ما حييت منها ملقّى [ 4 ] غنى الأمين فأطربه : أخبرني عمّي قال حدّثني عبد اللَّه بن أبي سعد قال حدّثني هبة اللَّه بن إبراهيم بن المهديّ قال حدّثني عمّي منصور بن المهديّ : أنه كان عند أبي في يوم كانت عليه فيه نوبة لمحمد الأمين ، فتشاغل أبي بالشّرب في بيته ولم يمض ، وأرسل إليه عدّة رسل فتأخّر . قال منصور : فلما كان من غد قال : ينبغي أن تعمل على الرّواح إليّ لنمضي إلى أمير المؤمنين فنترضّاه ؛ فما أشكّ في غضبه عليّ . ففعلت ومضينا . فسألنا عن خبره فأعلمنا أنه مشرف على حير [ 5 ] الوحش وهو مخمور ، وكان من عادته ألَّا يشرب إذا لحقه الخمار . فدخلنا ؛ وكان طريقنا على حجرة تصنع فيها الملاهي . فقال لي أخي : اذهب فاختر منها عودا ترضاه ، وأصلحه غاية الإصلاح حتى لا تحتاج إلى

--> [ 1 ] يرقا : يجف وينقطع ، وأصله الهمز . [ 2 ] الغسق : الانصباب ؛ يقال : غسقت العين تغسق ( من باب ضرب ) غسقا وغسقانا إذا دمعت . [ 3 ] تفقا : تنفلق وتنشق ، وأصله الهمز . [ 4 ] الملقى : الممتحن الذي لا يزال يلقاه مكروه إثر مكروه . [ 5 ] الحير : الحظيرة والبستان .