أبي الفرج الأصفهاني

300

الأغاني

أنشدنا مروان بن أبي حفصة يوما شعر زهير ثم قال : زهير واللَّه أشعر الناس ، ثم أنشد للأعشى فقال : الأعشى أشعر الناس ، ثم أنشد شعرا لامرىء القيس فقال : امرؤ القيس أشعر الناس ، ثم قال : والناس واللَّه أشعر الناس . أي إن أشعر الناس من أنشدت له فوجدته قد أجاد ، حتى ينتقل إلى شعر غيره . اشترى من أعرابي شعرا مدح به مروان بن محمد فمدح هو به معن بن زائدة فأكرمه : أخبرني أحمد بن عبيد اللَّه بن عمّار قال حدّثني عليّ بن محمد النّوفليّ قال حدّثني أبي قال : إجتاز مروان بن أبي حفصة برجل من باهلة من أهل اليمامة وهو ينشد قوما كان جالسا إليهم شعرا مدح به مروان بن محمد ، وإن قتل قبل أن يلقاه وينشده إيّاه ، أوّله : مروان يا بن محمد أنت الذي زيدت به شرفا بنو مروان فأعجبته القصيدة ، فأمهل الباهليّ حتى قام من مجلسه ، ثم أتاه في منزله فقال له : إني سمعت قصيدتك وأعجبتني ، ومروان قد مضى ومضى أهله وفاتك ما قد رمته [ 1 ] عنده ؛ أتبيعني القصيدة حتى أنتحلها ، فإنه خير لك من أن تبقى عليك وأنت فقير ؟ قال نعم . قال : بكم ؟ قال : بثلاثمائة درهم . قال : قد ابتعتها ؛ فأعطاه الدراهم وحلَّفه بالطلاق / ثلاثا وبالأيمان المحرجة ألَّا ينتحلها أبدا ولا ينسبها إلى نفسه ولا ينشدها ، وانصرف بها إلى منزله ، فغيّر منها أبياتا وزاد فيها ، وجعلها في معن ، وقال في ذلك البيت : معن بن زائدة الذي زيدت به شرفا إلى شرف بنو شيبان ووفد بها إلى معن بن زائدة فملأ يديه ، وأقام عنده مدة حتى أثرى واتّسعت حاله . فكان معن أوّل من رفع ذكره ونوّه به . قال : وله فيه مدائح بعد ذلك شريفة ومراث حسنة . نقل قصة فرار معن أن عبدا أسود طلقه تكرما بعد ما عرفه : أخبرني حبيب بن نصر المهلَّبيّ قال حدّثنا عبد اللَّه بن أبي سعد قال حدّثني محمد بن نعيم البلخيّ أبو يونس قال حدّثني مروان بن أبي حفصة وكان لي صديقا قال : كان المنصور قد طلب معن بن زائدة طلبا شديدا ، وجعل فيه مالا ؛ فحدّثني معن بن زائدة باليمن أنه اضطرّ لشدّة / الطلب إلى أن أقام في الشمس حتى لوّحت وجهه ، وخفّف عارضيه ولحيته ، ولبس جبّة صوف غليظة ، وركب جملا من الجمال النّقّالة ليمضي إلى البادية فيقيم بها ، وكان قد أبلى في حرب [ 2 ] يزيد بن عمر بن هبيرة بلاء حسنا غاظ المنصور وجدّ في طلبه . قال معن : فلما خرجت من باب حرب [ 3 ] تبعني أسود متقلَّدا سيفا ، حتى إذا غبت عن الحرس قبض علي خطام جملي فأناخه وقبض عليّ ؛ فقلت له : مالك ؟ قال : أنت طلبة أمير المؤمنين . قلت : ومن أنا حتى يطلبني أمير المؤمنين ! قال : معن بن زائدة . فقلت : يا هذا اتّق اللَّه ! وأين أنا من معن ! قال : دع هذا عنك فأنا واللَّه أعرف به منك . فقلت له : فإن كانت القصّة كما تقول / فهذا جوهر حملته معي

--> [ 1 ] في ج : « ما قدرته » . [ 2 ] هو يزيد بن عمر بن هبير . أبو خالد أحد رجالات بني أمية وفرسانهم وولاتهم ، أبلى مع مروان بن محمد في الدعوة العباسية ، قتله أبو جعفر المنصور سنة 132 ه ( انظر الكلام عليه في الطبري ق 2 ص 1363 ، 1372 ، 1913 - 1916 ، ق 3 ص 61 - 73 ) . [ 3 ] موضع ببغداد ينسب إلى حرب بن عبد اللَّه البلخي ويعرف بالراوندي أحد قوّاد أبي جعفر المنصور . ( انظر « معجم البلدان » لياقوت في الكلام على الحربية ) .