أبي الفرج الأصفهاني

463

الأغاني

ما سرّني أنّ أمّي من بني أسد وأنّ ربّي ينجيني من النار أو أنّهم زوّجوني من بناتهم وأنّ لي كلّ يوم ألف دينار من مخضرمي الدولتين أغار هو وأخوه بدر على بني عبس ونهبا إبلهم فحبسهما الوالي : والمرّار من مخضرمي الدولتين . وقد قيل : إنّه لم يدرك الدولة العبّاسيّة . وقال هذه القصيدة وهو محبوس . ذكر محمد بن حبيب عن ابن الأعرابيّ عن المفضّل والكوفيّين : أنّ المرّار بن سعيد كان أتى حصين بن برّاق من بني عبس ، فوقف على بيوتهم فجعل يحدّث نساءهم وينشدهنّ الشعر . فنظروا إليه وهم مجتمعون على الماء فظنّوا أنه يعظهنّ . ثم انصرف من عند النساء حتى وقف على الرجال . فقال له بعضهم : أنت يا مرّار تقف على أبياتنا وتنشد النساء الشعر ! فقال : إنّما كنت أسألهن . فجرى بينه وبينهم كلام غليظ ، فوثبوا عليه وضربوه وعقروا بعيره ؛ فانصرف من عندهم إلى بني فقعس فأخبرهم الخبر ، فركبوا معه حتى أتوا بني عبس فقاتلوهم فهزموهم ، وفقأت بنو فقعس من بني عبس عينا وقتلوا رجلا ثم انصرفوا . فحمل أبو شدّاد النّصريّ لبني عبس مائتي بعير وغلَّظوا عليهم في الدّية . ثم إنّ بدر بن سعيد أخا المرّار قال : قد استوفت عبس حقّها ، فعلام أترك ضرب أخي وعقر جمله ! فخرج حتى أتى جمالا لبني عبس في المرعى فرمى بعضها فعقرها ثم انصرف . فقال للمرّار : إنّه واللَّه ما يقنع بهذا ولكن اخرج بنا . فخرجا حتى أغارا على إبل لبني عبس فطرداها وتوجها بها نحو تيماء [ 1 ] . فلمّا كانا في بعض الطريق انقطع بطان راحلة بدر / فندر [ 2 ] عن رحله . فقال له المرّار : يا أخي أطعني وانصرف ودع هذه الإبل في النار ، فأبى عليه . ثم سارا ، فلمّا كانا في بعض الطريق عرض لهما ظبي أعضب [ 3 ] أحد القرنين . فقال المرّار لبدر : قد تطيّرت من هذا السفر ، ولا واللَّه ما نرجع من هذا السفر أبدا ، فأبى عليه بدر . فتفرّقت عبس فرقتين في طلب الإبل ، فعمدت فرقة إلى وادي القرى [ 4 ] ، وفرقة إلى تيماء ؛ فصادفوا الإبل بتيماء تباع ، فأخذوا المرّار وبدرا فرفعوهما إلى الوالي . وعرفت سمات عبس على الإبل فدفعت إليهم ، ورفع المرّار وأخوه إلى المدينة فضربا وحبسا ، فمات بدر في الحبس . فكلَّمت عدّة من قريش زياد بن عبد اللَّه النّصريّ في المرّار فخلَّاه . وقال في حبسه : صرمت ولم تصرم وأنت صروم وهي طويلة . مات أخوه بدر في الحبس فرثاه : وقال يرثي أخاه بدرا : ألا يا لقومي للتّجلَّد والصبر وللقدر السّاري إليك وما تدري / وللشيء تنساه وتذكر غيره وللشيء لا تنساه إلَّا على ذكر

--> [ 1 ] تيماء : بليد في أطراف الشام بين الشام ووادي القرى على طريق حاج الشام ودمشق . [ 2 ] ندر عن رحله : سقط . [ 3 ] الأعضب : المكسور . [ 4 ] وادي القرى : واد بين المدينة والشام من أعمال المدينة كثير القرى .