أبي الفرج الأصفهاني

372

الأغاني

يعقوب بن المهديّ لا يقدر أن يمسك الفساء إذا جاءه . فاتخذت له داية مثلَّثة وطيّبتها وتنوّقت فيها . فلمّا وضعتها تحته فسا ، فقال : هذه ليست بطيّبة . فقالت له الداية : فديتك ! هذه قد كانت طيّبة وهي مثلثة ، فلما ربّعتها فسدت . قال : وكان يعقوب هذا محمّقا ، كان يخطر بباله الشيء فيشتهيه فيثبته في إحصاء خزائنه . فضجّ خازنه من ذلك ، فكان يثبت الشيء ثم يثبت تحته أنه ليس عنده ، وإنما أثبته ليكون ذكره عنده إلى أن يملكه . فوجد في دفتر له [ 1 ] فيه ثبت ثياب : « ثبت ما في الخزانة من الثّياب المثقّلة الإسكندرانيّة والهشاميّة ، لا شيء - أستغفر اللَّه - بل عندنا منها زرحية [ 2 ] كانت للمهدي . الفصوص الياقوت الأحمر التي من حالها كذا وكذا لا شيء - أستغفر اللَّه - بل عندنا منها درج كان فيه / للمهديّ خاتم هذه صفته » . فحمل ذلك الدفتر إلى المأمون ، فضحك لمّا قرأه حتى فحص برجله وقال : ما سمعت بمثل هذا قطَّ ! . كان المأمون يحبه ويتمنى أن يلي الأمر بعده : أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثنا سليمان بن داود المهلَّبيّ قال حدّثني الهيثم بن محمد بن عبّاد عن أبيه قال : كان المأمون أشدّ الناس حبّا لأبي عيسى أخيه ، كان يعدّه للأمر بعده ، وتذاكرنا ذلك كثيرا ، وسمعته يقول يوما : إنه ليسهل عليّ أمر الموت وفقد الملك ، وما يسهل شيء منهما على أحد ، وذلك لمحبّتي أن يلي أبو عيسى الأمر من بعدي لشدّة حبّي إيّاه . كان يحب صيد الخنازير فوقع عن دابته ، وكان ذلك سبب موته : أخبرني محمد بن عليّ قال حدّثني عبد اللَّه بن المعتزّ قال : كان سبب موت أبي عيسى بن الرّشيد أنه كان يحب صيد الخنازير ، فوقع عن دابّته فلم يسلم دماغه ، فكان يتخبّط في اليوم مرّات إلى أن مات . عزاء محمد بن عباد المأمون فيه : حدّثني محمد قال حدّثنا أبو العيناء قال حدّثنا محمد بن عبّاد المهلَّبيّ قال : لمّا مات أبو عيسى بن الرّشيد دخلت إلى المأمون وعمامتي عليّ ، فخلعت عمامتي ونبذتها وراء ظهري - والخلفاء لا تعزّى في العمائم - ودنوت . فقال لي : يا محمد ، حال القدر / دون الوطر . فقلت : يا أمير المؤمنين ، كلّ مصيبة أخطأتك تهون ، فجعل اللَّه الحزن لك لا عليك . مات سنة تسع ومائتين : أخبرنا محمد قال حدّثنا عون بن محمد قال سمعت هبة اللَّه بن إبراهيم يقول : مات أبو عيسى بن الرّشيد سنة تسع ومائتين ، وصلَّى عليه المأمون ونزل في قبره ، وامتنع من الطعام أياما حتى خاف أن يضرّ ذلك به . وجد عليه المأمون وجدا شديدا : أخبرني أحمد بن عبيد اللَّه بن عمّار قال حدّثني أبو العيناء قال سمعت محمد بن عبّاد يقول :

--> [ 1 ] كذا في ح . وفي سائر الأصول : « . . . دفتر عنده له فيه » . [ 2 ] ظاهر من السياق أنها ضرب من الثياب ، ولم نعثر عليها فيما عرفناه من مظان .