أبي الفرج الأصفهاني

338

الأغاني

لزينب طيف تعتريني طوارقه / فأشار إليها إبراهيم أن تعيده . فقالت متيّم للمعتصم : يا سيّدي إن إبراهيم يستعيدني الصوت وأظنّه يريد أن يأخذه . فقال لها : لا تعيديه . فلما كان بعد أيام كان إبراهيم حاضرا بمجلس المعتصم وكانت متيّم غائبة عنه ، فانصرف إبراهيم بالليل إلى منزله ومتيّم في منزلها بالميدان وطريقه عليها وهي في منظرة لها مشرفة على الطريق وهي تطرح هذا الصوت على بعض جواري بني هاشم ، فتقدّم إلى المنظرة على دابّته وتطاول حتى أخذ الصوت ، ثم ضرب باب المنظرة بمقرعته وقال : قد أخذناه بلا حمدك . نسبة هذا الصوت لزينب طيف تعتريني طوارقه هدوءا إذا النّجم ارجحنّت [ 1 ] لواحقه سيبكيك مرنان [ 2 ] العشيّ يجيبه لطيف بنان الكفّ درم [ 3 ] مرافقه إذا ما بساط اللَّهو مدّ وقرّبت للذّاته أنماطه ونمارقه [ 4 ] الشعر للنّميريّ . والغناء لمعبد ، ولحنه من القدر الأوسط من الثّقيل الأول بالبنصر في مجراها عن إسحاق . وفيه لمالك خفيف ثقيل أوّل بالبنصر عن يونس والهشاميّ . برهان محمد بن موسى المنجم على أنه أحسن الناس غناء : أخبرني عليّ بن هارون قال حدّثني عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن طاهر قال : كان محمد بن موسى المنجّم يقول : حكمت أنّ إبراهيم بن المهديّ أحسن الناس كلَّهم غناء ببرهان ، وذلك أنّي كنت أراه بمجالس الخلفاء مثل المأمون والمعتصم يغني المغنون ويغنّي ، فإذا ابتدأ الصوت لم يبق من الغلمان والمتصرّفين في الخدمة وأصحاب الصناعات والمهن الصّغار والكبار أحد إلَّا ترك ما في يده وقرب من أقرب موضع يمكنه أن يسمعه ، فلا يزال مصغيا إليه لاهيا عمّا كان فيه ما دام يغنّي ، حتى إذا أمسك وتغنّى غيره رجعوا إلى التّشاغل بما كانوا فيه ولم يلتفتوا إلى ما يسمعون . / ولا برهان أقوى من هذا في مثل هذا من شهادة الفطن له واتّفاق الطَّبائع - مع اختلافها وتشعّب طرقها - على الميل إليه والانقياد له . كانت له أشياء لم يكن لأحد مثلها : حدّثني أحمد بن جعفر جحظة قال حدّثني هبة اللَّه بن إبراهيم بن المهديّ قال : قلت للمعتصم : كانت لأبي أشياء لم يكن لأحد / مثلها . فقال : وما هي ؟ قلت : شارية وزامرتها معمعة . فقال : أمّا شارية فعندنا ، فما فعلت الزّامرة ؟ قلت : ماتت . قال : وماذا ؟ قلت : وساقيته مكنونة ، ولم ير أحسن وجها ولا ألين ولا أظرف منها . قال : فما فعلت ؟ قلت : ماتت . قال : وماذا ؟ قلت : نخلة كانت تحمل رطبا طول الرّطبة

--> [ 1 ] ارجحن النجم : مال نحو المغرب . [ 2 ] المرنان : الكثير الرنين ، ويقال : سحابة مرنان وقوس مرنان ، أي كثيرة الرنين . والمراد هنا : آلة الطرب . [ 3 ] درم : جمع أدرم وهو من لا حجم لعظامه . [ 4 ] نسب هذا البيت في « الكامل » للمبرد ص 708 طبع أوروبا لنصيب .