أبي الفرج الأصفهاني
69
الأغاني
إذ أتته الوحش واردة فتثنّى النزع في يسره [ 1 ] فرماها في فرائصها بإزاء الحوض أو عقره [ 2 ] برهيش [ 3 ] من كنانته كتلظَّي الجمر في شرره / راشه من ريش ناهضة ثم أمهاه على حجره [ 4 ] فهو لا تنمي رميّته [ 5 ] ما له لا عدّ من نفره طلب إلى السموءل أن يكتب له إلى الحارث ليوصله إلى قيصر : قال : ثم مضى القوم حتى قدموا على السّموءل ، فأنشده الشعر ، وعرف لهم حقّهم ، فأنزل المرأة في قبّة أدم وأنزل القوم في مجلس له براح ؛ فكان عنده ما شاء اللَّه . ثم إنه طلب إليه أن يكتب له إلى الحارث بن أبي شمر الغسّانيّ بالشأم ليوصله إلى قيصر ؛ فاستنجد له رجلا ، واستودع [ 6 ] عنده المرأة والأدراع والمال ، وأقام معها يزيد بن معاوية بن الحارث ابن عمّه . فمضى حتى انتهى إلى قيصر ؛ فقبله وأكرمه وكانت له عنده منزلة . لما وصل إلى قيصر دس له عنده الطماح حتى سمه بحلة خلعها عليه : فاندسّ رجل من بني أسد يقال له الطمّاح ، وكان امرؤ القيس قد قتل أخا له من بني أسد ، حتى أتى إلى بلاد الروم فأقام مستخفيا . ثم إن قيصر ضمّ إليه جيشا كثيفا وفيهم جماعة من أبناء الملوك . فلما فصل قال لقيصر قوم من أصحابه : إن العرب قوم غدر ولا تأمن أن يظفر بما يريد ثم يغزوك بمن بعثت معه . وقال ابن الكلبيّ : بل قال له الطمّاح : إنّ امرأ القيس غويّ عاهر وإنه لمّا انصرف عنك بالجيش ذكر أنه كان يراسل ابنتك ويواصلها ، وهو قائل
--> [ 1 ] واردة : عطاشا . وتثنى : انعطف . ويروى : « فتنحى » و « فتمتى » أي تمطى ومعناه : مدّ ونزع . والنزع الرمي عن القوس . وفي يسره - كما في « شرح ديوانه » ، رواية أبي سهل ( نسخة مخطوطة محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 13 أدب ش ) - أي في يسر السهم للرمي . قال أبو سهل : يقول القوس في يساره فإذا اشتدّ يساره تابع مدّه فنفذ السهم أجود وإلا لم ينفذ جيدا . وفي « اللسان » ( مادة يسر ) عن الجوهري أن اليسرة بالتحريك أسرار الكف ( خطوطها ) إذا كانت غير ملتزقة وهي تستحب . قال شمر : ويقال في فلان يسر ؛ وأنشد : فتمتى النزع في يسره قال : هكذا روى عن الأصمعي وفسره حيال وجهه . ويروى : « في يسره » بضم الياء وفتح السين جمعا ليسرى ، ويروى « في يسره » بضمتين جمعا ليسار . [ 2 ] الفرائص : جمع فريصة وهي التي ترعد من الدابة عند مرجع الكتف تتصل بالفؤاد . وإزاء الحوض : مصب الماء فيه . وعقره : موضع الشاربة ، يريد أن هذا الرامي حاذق خبير بالرمي لا يرميها إلا في مقتل . وخص إزاء الحوض أو عقره لأنه مكان تأمن فيه وتطمئن إليه ، فهو أمكن له فيما يريد منها . [ 3 ] الرهيش : السهم الضامر الخفيف . [ 4 ] الناهض الذي وفر جناحه ونهض للطيران . وأدخل الهاء في ناهضة للمبالغة أو لأنه أراد الأنثى ، كما يقال صقر وصقرة . قال أبو بكر : وخص ريش النواهض لأن ريشها ألين وأطول وريش المسان لا خير فيه . أمهاه : أرقه . وقال أبو عبيدة : أمهاه : سقاه الماء . [ 5 ] أي لا ترتفع من مكانها الذي أصابها فيه السهم لحذق الرامي ؛ يقال : أنميت الصيد فنمى ينمي وذلك أن ترميه فتصيبه ويذهب عنك فيموت بعد ما يغيب . ومعنى لا عد من نفره : أماته اللَّه فلا يعد من قومه ، والمراد التعجب منه ، كما يقال : قاتله اللَّه في موضع المدح والتعجب . [ 6 ] في ج : « واستودعه » .