أبي الفرج الأصفهاني
67
الأغاني
إذا ما قام حالبها أرنّت [ 1 ] كأن القوم صبّحهم نعيّ فتملأ بيتنا أقطا [ 2 ] وسمنا وحسبك من غنّى شبع وريّ ثم نزل بعامر بن جوين : فكان عندهم ما شاء اللَّه . ثم خرج فنزل بعامر بن جوين واتخذ عنده إبلا ، وعامر يومئذ أحد الخلعاء الفتّاك قد تبّرأ قومه من جرائره ، فكان عنده ما شاء اللَّه ، ثم همّ أن يغلبه على أهله وماله ، ففطن امرؤ القيس بشعر كان عامر ينطق به وهو قوله : فكم بالصعيد [ 3 ] من هجان مؤبّلة تسير صحاحا ذات قيد ومرسله أردت بها فتكا فلم أرتمض [ 4 ] له ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله [ 5 ] / وكان عامر أيضا يقول يعرّض بهند بنت امرئ القيس : / ألا حيّ هندا وأطلالها وتظعان هند وتحلا لها هممت بنفسي كلّ الهموم فأولى لنفسي أولى لها [ 6 ] سأحمل نفسي على آلة [ 7 ] فإمّا عليها وإمّا لها هكذا روى ابن أبي سعد عن دارم بن عقال . ومن الناس من يروي هذه الأبيات للخنساء في قصيدتها : ألا ما لعيني ألا ما لها لقد أخضل الدمع سربالها ثم بحارثة بن مر : قالوا : فلما عرف امرؤ القيس ذلك منه وخافه على أهله وماله ، تغفّله وانتقل إلى رجل من بني ثعل يقال له حارثة بن مرّ فاستجار به . فوقعت الحرب بين عامر وبين الثّعليّ ، فكانت في ذلك أمور كثيرة . قال دارم بن عقال في خبره : فلمّا وقعت الحرب بين طيّىء من أجله ، خرج من عندهم فنزل برجل من بني فزارة يقال له عمرو بن جابر بن مازن ، فطلب منه الجوار حتى يرى ذات عيبه [ 8 ] . فقال له الفزاريّ : يا بن حجر ، إني أراك في خلل من قومك وأنا أنفس [ 9 ]
--> [ 1 ] رواية « الديوان » في هذا البيت : إذا مشت حوالبها أرنت كأن الحي صبحهم نعى ببناء الفعل ( مشت ) للمجهول . ومشت حوالبها : مسحت بالكف ليدر اللبن . والحوالب : العروق التي تدر اللبن في الضرع واحدها حالب . وأرنت : صوتت . ويحتمل أن تكون المعزى هي المرنة ، وأن يكون الإرنان صوت الشخب الذي يقع في الإناء من كثرة اللبن . [ 2 ] الأقط : شيء يتخذ من اللبن المخيض مثل الجبن . [ 3 ] كذا في « تجريد الأغاني » : وفي ج : « فكم من سعيد » . وفي سائر النسخ : « فكم بالصحيح » وهما تحريف . [ 4 ] ارتمض : حزن ، أي فلم أحزن ولم آسف له . ونهته : كف . [ 5 ] نصب الفعل على تقدير « أن » أي بعد ما كدت أن أفعله ، وهو شاذ . [ 6 ] أولى لك : كلمة توعد وتهديد ، وقد تكون كلمة تلهف ، يقولها الرجل إذا حاول شيئا فأفلته من بعد ما كاد يصيبه . [ 7 ] الآلة هنا : الحالة . [ 8 ] يريد : ينظر في أمره ويصلح من شأنه . [ 9 ] أنفس به : أضنّ به .