أبي الفرج الأصفهاني
219
الأغاني
ثم أمر فتغنّى فيه بعض المغنّين . قصة المعتز ويونس بن بغا مع ديراني : حدّثني الصّوليّ قال حدّثني أحمد بن محمد بن إسحاق الخراسانيّ قال حدّثني الفضل بن العباس [ 1 ] بن المأمون قال : / كنت مع المعتزّ في الصيد ، فانقطع عن الموكب وأنا ويونس بن بغا معه ، ونحن بقرب قنطرة [ 2 ] وصيف ، وكان هناك دير فيه ديرانيّ يعرفني وأعرفه ، نظيف ظريف مليح الأدب واللفظ . فشكا المعتزّ العطش . فقلت : يا أمير المؤمنين ، في هذا الدير ديرانيّ أعرفه خفيف الروح لا يخلو من ماء بارد ، أفترى أن نميل إليه ؟ قال نعم . فجئناه فأخرج لنا ماء باردا ، وسألني عن المعتزّ ويونس فقلت : فتيان من أبناء الجند ؛ فقال : بل مفلتان من حور الجنّة . فقلت له : هذا ليس في دينك . فقال : هو الآن في ديني . فضحك المعتزّ . فقال لي الدّيرانيّ : أتأكلون شيئا ؟ قلت نعم . فأخرج شطيرات وخبزا وإداما نظيفا ، فأكلنا أطيب أكل ، وجاءنا بأطراف [ 3 ] أشنان . فاستظرفه المعتزّ وقال لي : قل له فيما بينك وبينه : من تحبّ أن يكون معك من هذين لا يفارقك . فقلت له ، فقال : « كلاهما [ 4 ] وتمرا » . فضحك المعتزّ حتى مال على حائط الدّير . فقلت للدّيرانيّ : لا بدّ من أن تختار . فقال : الاختيار واللَّه في هذا دمار ، وما خلق اللَّه عقلا يميّز بين هذين . ولحقهما الموكب ، فارتاع الدّيرانيّ . / فقال له المعتزّ : بحياتي لا تنقطع عما كنا فيه ، فإنّي لمن ثمّ مولى ولمن هاهنا صديق . فمزحنا ساعة ؛ ثم أمر له بخمسمائة [ 5 ] ألف درهم . فقال [ 6 ] : واللَّه ما أقبلها إلَّا على شرط . قال : وما هو ؟ قال : يجيب / أمير المؤمنين دعوتي مع من أراد . قال : ذلك لك . فاتّعدنا ليوم جئناه فيه ، فلم يبق غاية ، وأقام للموكب كلَّه ما احتاج إليه ، وجاءنا بأولاد النصارى يخدموننا . ووصله المعتزّ يومئذ صلة سنيّة ؛ ولم يزل يعتاده ويقيم عنده . ولي الخلافة وله سبع عشرة سنة ، وشعره في ذلك : حدّثني الصّوليّ قال حدّثنا عبد اللَّه بن المعتزّ قال : بويع للمعتزّ بالخلافة وله سبع عشرة سنة كاملة وأشهرّ . فلما انقضت البيعة قال : توحّدني الرحمن بالعزّ والعلا فأصبحت فوق العالمين أميرا
--> [ 1 ] كذا في « مسالك الأبصار » ( ح 1 ص 282 طبع دار الكتب المصرية ) و « معجم البلدان » في كلامهما عن دير مرمار - وفي « معجم البلدان » : « دير مرماري » بياء - وفي الأصول : « العباس بن المفضل بن المأمون » . وذكر اليعقوبي في تاريخه أن المأمون خلف من الولد الذكور ستة عشر وذكر منهم « العباس » و « الفضل » . [ 2 ] كذا في ج و « مسالك الأبصار » . وفي سائر الأصول : منظرة وصيف « . [ 3 ] كذا في ح . وفي سائر الأصول : « بأظرف إنسان » وهو تحريف . [ 4 ] في « مسالك الأبصار » : « فقال : كلاهما » بدون « وتمرا » . و « كلاهما وتمرا » مثل قائله عمرو بن حمران وقد مر به رجل أضر به العطش والسغوب وبين يديه زبد وتامك وتمر . فقال له الرجل : أطعمني من هذا الزبد والتامك . فقال عمرو : « نعم كلاهما وتمرا » فصارت مثلا في زيادة الإكرام . أي لك كلاهما وأزيد تمرا . ويروي « كليهما وتمرا » بالنصب على تقدير فعل محذوف أي أطعمك . [ 5 ] في « مسالك الأبصار » : « بخمسين ألف درهم » . [ 6 ] في الأصول : « فقبلها فقال . . . إلخ » بزيادة كلمة « فقبلها » . وظاهر أنها من زيادات النساخ ، إذ يأباها سياق الكلام ، وليست موجودة في « مسالك الأبصار » .