أبي الفرج الأصفهاني

215

الأغاني

بإخوتنا من معدّ فإنا معدّيّون ، واللَّه ما نحن من قصب الشأم ولا من زعاف [ 1 ] اليمن . فقال يزيد : إن أجمع قومك على ذلك جعلناك حيث شئت . فبلغ ذلك عديّ بن الرّقاع فقال : إنّا رضينا وإن غابت جماعتنا ما قال سيّدنا روح بن زنباع يرعى ثمانين ألفا كان مثلهم ممّا يخالف أحيانا على الرّاعي قال : فبلغ ذلك نائل بن قيس الجذاميّ ، فجاء يركض فرسه حتى دخل المقصورة في الجمعة الثانية . فلمّا قام يزيد على المنبر ، وثب فقال : أين الغادر الكاذب روح بن زنباع ؟ ! فأشاروا إلى مجلسه . فأقبل عليه وعلى يزيد ثم قال : يا أمير المؤمنين ، قد بلغني ما قال لك هذا ، وما نعرف شيئا منه ولا نقرّ به ، ولكنّا قوم من قحطان يسعنا ما يسعهم ويعجز عنّا ما يعجز عنهم . فأمسك روح ورجع عن رأيه . فقال عديّ بن الرّقاع في ذلك : أضلال ليل ساقط أكنافه في الناس أعذر أم ضلال نهار قحطان والدنا الذي ندعى له وأبو خزيمة خندف بن نزار / أنبيع والدنا الذي ندعى له بأبي معاشر غائب متواري تلك التجارة لا زكاء لمثلها ذهب يباع بآنك [ 2 ] وإبار / فقال له يزيد : غيّرت يا بن الرّقاع . قال : إنّ ناثلا واللَّه عليّ أعزّهما سخطا ، وأنصحهما لي ولعشيرتي . قال أبو عبيدة : الإبار : جمع إبرة . ما كان بينه وبين ابن سريج في حضرة الوليد بن عبد الملك : أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن جدّه إبراهيم : أن الأحوص وابن سريج قدما المدينة [ 3 ] ، فنزلا في بعض الخانات ليصلحا من شأنهما ، وقد قدم عديّ بن الرّقاع وكانت هذه حاله ، فنزل عليهما . فلما كان في بعض الليل أفاضوا في الأحاديث ؛ فقال عديّ بن الرّقاع لابن سريج : واللَّه لخروجنا كان إلى أمير المؤمنين أجدى علينا من المقام معك يا مولى بني نوفل . قال : وكيف ذلك ؟ قال : لأنك توشك أن تلهينا فتشغلنا عمّا قصدنا له . فقال له ابن سريج : أو قلَّة شكر أيضا ! . فغضب عديّ وقال : أنك لتمنّ علينا أن نزلنا عليك ؛ وإني أعاهد اللَّه ألَّا يظلَّني وإياك سقف إلا أن يكون بحضرة أمير المؤمنين . وخرج من عندهما . وقدم الوليد من باديته فأذن لهما فدخلا . وبلغه خبر ابن الرّقاع وما جرى بينه وبين ابن سريج ؛ فأمر بابن سريج فأخفي [ 4 ] في بيت ودعا بعديّ فأدخله ؛ فأنشده قصيدة امتدحه بها . فلما فرغ ، أومأ إلى بعض الخدم فأمر ابن سريج فغنّى في شعر عديّ بن الرّقاع يمدح الوليد : عرف الديار توهّما فاعتادها من بعد ما شمل البلى أبلادها [ 5 ]

--> [ 1 ] كذا في الأصول : ولعله « من رعان اليمن » أي جبالها أو « من زعانف اليمن » . [ 2 ] الآنك : الرصاص . [ 3 ] كذا في الأصول . والأحرى أن تكون « دمشق » إذ المعروف أن دمشق كانت عاصمة ملك بني أمية التي كان يقصد إليها الروّاد والوافدون وبها ينزلون . [ 4 ] كذا في أ ، م . وفي سائر الأصول : « فأدخل » . [ 5 ] اعتادها : أعاد النظر إليها مرة بعد أخرى لدروسها حتى عرفها . وشمل : عم . والأبلاد : الآثار .