أبي الفرج الأصفهاني
179
الأغاني
فكلّ الذي عدّدت يكفيك بعضه ونيلك خير من بحور السوائل فقال له عمر : يا أحوص ، إنّ اللَّه سائلك عن كلّ ما قلت . ثم تقدّم إليه نصيب فاستأذن في الإنشاد ، فأبى أن يأذن له وغضب عضبا شديدا ، وأمره باللَّحاق بدابق [ 1 ] . وأمر لي وللأحوص لكلّ واحد بمائة وخمسين درهما . وقال الرّياشيّ في خبره : فقال لنا : ما عندي ما أعطيكم ، فانتظروا حتى يخرج عطائي فأواسيكم منه . فانتظرنا حتى خرج ، فأمر لي وللأحوص بثلاثمائة درهم ، وأمر لنصيب بمائة وخمسين درهما . فما رأيت أعظم بركة من الثلاث المائة التي أعطاني ، ابتعت بها وصيفة فعلَّمتها الغناء فبعتها بألف دينار . خبر دكين الراجز معه : أخبرني عمّي عبد العزيز بن أحمد قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائنيّ قال : / قال دكين / الراجز : امتدحت عمر بن عبد العزيز وهو والي المدينة ، فأمر لي بخمس عشرة ناقة كرائم ، فكرهت أن أرمي بهنّ الفجاج ، ولم تطب نفسي ببيعهنّ . فقدمت علينا رفقة من مصر ، فسألتهم الصّحبة ، فقالوا : ذاك إليك ، ونحن نخرج الليلة ، فأتيته فودّعته وعنده شيخان لا أعرفهما . فقال لي : يا دكين ، إن لي نفسا توّاقة ، فإن صرت إلى أكثر مما أنا فيه فأتني ولك الإحسان . قلت : أشهد لي بذلك . قال : أشهد اللَّه به . قلت : ومن خلقه ؟ قال : هذين الشيخين . فأقبلت على أحدهما فقلت : من أنت أعرفك ؟ قال : سالم بن عبد اللَّه بن عمر . فقلت له : لقد استسمنت الشاهد . وقلت للآخر : من أنت ؟ قال : أبو يحيى مولى الأمير . فخرجت إلى بلدي بهنّ ، فرمى اللَّه في أذنابهنّ بالبركة حتى اعتقدت [ 2 ] منهن الإبل والعبيد . فإنّي لبصحراء فلج [ 3 ] إذا ناع ينعى سليمان . قلت : فمن القائم بعده ؟ قال : عمر بن عبد العزيز . فتوجّهت نحوه ، فلقيني جرير متصرفا من عنده . فقلت : يا أبا حزرة ، من أين ؟ فقال : من عند من يعطي الفقراء ، ويمنع الشعراء . فانطلقت فإذا هو في عرصة دار وقد أحاط الناس به ، فلم أخلص إليه فناديت : يا عمر الخيرات والمكارم وعمر الدّسائع [ 4 ] العظائم إني امرؤ من قطن بن دارم طلبت ديني من أخي مكارم إذ تنتحي والليل غير نائم [ 5 ] عند أبي يحيى وعند سالم فقام أبو يحيى فقال : يا أمير المؤمنين ، لهذا البدوي عندي شهادة عليك ، فقال : أعرفها ؛ أدن يا دكين ، أنا كما ذكرت لك ، إن نفسي لم تنل شيئا قطَّ إلَّا تاقت / لما هو فوقه ، وقد نلت غاية الدنيا فنفسي تتوق إلى الآخرة ، واللَّه
--> - إن الرسول لنور يستضاء به مهند من سيوف اللَّه مسلول ألقى عليه بردة كانت عليه ، بذل له فيها معاوية عشرة آلاف درهم ، فقال : ما كنت لأوثر بثوب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أحدا . فلما مات كعب بعث معاوية إلى ورثته بعشرين ألفا فأخذها منهم . [ 1 ] دابق : قرية قرب حلب بينها وبين حلب أربعة فراسخ . [ 2 ] اعتقد الشيء : اشتراه أو اقتناه . [ 3 ] فلج : واد بين البصرة وحمى ضرية . [ 4 ] الدسائع : الشمائل أو العطايا . [ 5 ] كذا في « العقد الفريد » : وفي الأصول : إذا تنتحي واللَّه غير نائم .