أبي الفرج الأصفهاني

160

الأغاني

أنت من جذام ، وأنت جبان ، وأنت غيور . فقال : أمّا جذام فأنا في أرومتها [ 1 ] ، وبحسب الرجل أن يكون في أرومة قومه . وأما الجبن فإنما لي نفس واحدة ، ولو كان لي نفسان لجدت بإحداهما . وأمّا الغيرة فهو أمر لا أحبّ أن أشارك فيه ، وإن المرء لحقيق بالغيرة على المرأة مثلك الحمقاء الورهاء لا يأمن أن تأتي بولد من غيره فتقذفه في حجره . ثم ذكر باقي خبرها مثل ما تقدّم ، وقال فيه : فخلف بعده عليها الفيض بن محمد عمّ يوسف بن عمر ، فكان يشرب ويلطمها ويقيء في حجرها ، فقالت : سمّيت فيضا وما شيء تفيض به إلَّا سلاحك بين الباب والدار قال المدائنيّ : وتمثّل فيض يوما بهذا البيت : إن كنت ساقية يوما على كرم صفو المدامة فاسقيها بني قطن ثم تحرّك فضرط . فقالت : واسق هذه أيضا بني قطن ! . أبو عثمان المازني والواثق : وهذا الصوت أعني : أقوى من آل ظليمة الحزم هو الصوت الذي أشخص الواثق له أبا عثمان المازنيّ بسبب بيت منه اختلف في إعرابه بحضرته ، وهو قوله : أظليم إنّ مصابكم رجلا أهدى السّلام تحيّة ظلم وقال آخرون : « رجل » . حدّثني بذلك عليّ بن سليمان الأخفش عن أبي العباس محمد بن يزيد عن أبي عثمان ، وأخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثنا القاسم بن إسماعيل وعون بن محمد وعبد الواحد بن العبّاس بن عبد الواحد والطيّب بن محمد الباهليّ ، يزيد بعضهم على بعض ، قالوا حدّثنا أبو عثمان المازنيّ قال : كان سبب طلب الواثق لي أنّ مخارقا غنّى في مجلسه : أظليم إنّ مصابكم رجلا أهدى السّلام تحيّة ظلم فغنّاه مخارق « رجل » فتابعه بعض القوم وخالفه آخرون . فسأل الواثق عمّن بقي من رؤساء النحويين فذكرت له ، فأمر بحملي . فلما وصلت إليه قال : ممن الرجل ؟ قلت : من بني مازن . قال : أمن مازن تميم أم مازن قيس أم مازن ربيعة أم مازن اليمن ؟ قلت : من مازن ربيعة . فقال لي با اسمك ؟ ( يريد ما اسمك وهي لغة كثيرة في قومنا ) فقلت على القياس : مكر ( أي بكر ) . فضحك فقال [ 2 ] : اجلس واطبئنّ ( يريد : واطمئنّ ) فجلست . فسألني عن البيت . فقلت : « إن مصابكم رجلا » فقال : أين خبر « إن » ؟ قلت : « ظلم » وهو الحرف الذي في آخر البيت . وقال الأخفش في خبره : وقلت له : إن معنى « مصابكم » إصابتكم ، مثل ما تقول : / إنّ قتلكم رجلا حيّاكم ظلم . ثم قلت : يا أمير المؤمنين ، إن البيت كله معلَّق لا معنى له حتى يتمّ بقوله « ظلم » . ألَّا ترى أنه لو قال : أظليم إن مصابكم رجل أهدى السلام تحية ، لما احتيج إلى « ظلم » ولا كان له معنى ، إلَّا أن يجعل التحية بالسلام ظلما ، وذلك محال ، ويجب حينئذ أن يقول :

--> [ 1 ] الأرومة ( بالفتح وتضم ) : الأصل . [ 2 ] لعله : « وقال » .