أبي الفرج الأصفهاني
148
الأغاني
كلدة ، ألا تقوم بنا فنصلَّي عليه ! قال : قلت : بلى واللَّه فديتك ! . فقمنا حتى إذا كنّا عند دار أويس إذ ذكرت أن جدّه كان تزوّج لبنى ونزل بها المدينة ، فرجعت فطرحت نفسي في السّقيفة وقلت : لا يراني اللَّه أصلَّي عليه . فرجع الكثيريّ فقال : أكنت جنبا ؟ قلت : لا واللَّه . قال : فعلى غير وضوء ؟ قلت : لا واللَّه . قال : فما لك ؟ قلت : ذكرت أن جدّه كان تزوّج لبنى وفرّق بينها وبين قيس بن ذريح لمّا ظعن بها من بلادها ، فما كنت لأصلَّي عليه . أخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا أحمد بن يحيى قال حدّثنا عبد اللَّه بن شبيب قال حدّثني هارون بن موسى الفرويّ قال أخبرنا الخليل بن سعيد قال : مررت بسوق الطَّير ، فإذا الناس قد اجتمعوا يركب بعضهم بعضا ، فاطَّلعت فإذا أبو السائب المخزوميّ قائم على غراب يباع وقد أخذ بطرف ردائه وهو يقول للغراب : يقول لك قيس بن ذريح : ألا يا غراب البين قد طرت بالذي أحاذر من لبنى فهل أنت واقع لم لا تقع ! ويضربه بردائه والغراب يصيح . قال : فقال قائل له : أصلحك اللَّه يا أبا السائب ! ليس هذا ذاك الغراب . فقال : قد علمت ، ولكن آخذ البريء حتى يقع الجريء [ 1 ] . آلت لبنى ألا ترى غرابا إلَّا قتلته لبيت قاله من قصيدة ، وذكر المختار منها : وقال الحرمازيّ في خبره : لمّا بلغ لبنى قول قيس : ألا يا غراب البين قد طرت بالذي أحاذر من لبنى فهل أنت واقع / آلت ألَّا ترى غرابا إلَّا قتلته ؛ فكانت كلَّما رأته أو رأته خادم لها أو جارة ابتيع ممن هو معه وذبحته . وهذه القصيدة العينيّة أيضا من جيّد شعر قيس . والمختر منها قوله : أتبكي على لبنى وأنت تركتها وكنت كآت حتفه وهو طائع فيا قلب صبرا واعترافا لما ترى [ 2 ] ويا حبّها قع بالذي أنت واقع ويا قلب خبّرني إذا شطَّت النّوى بلبنى وبانت عنك ما أنت صانع أتصبر للبين المشتّ مع الجوى أم أنت امرؤ ناسي الحياء [ 3 ] فجازع كأنّك بدع [ 4 ] لم تر الناس قبلها ولم يطَّلعك الدهر فيمن [ 5 ] يطالع ألا يا غراب البين قد طرت بالذي أحاذر من لبنى فهل أنت واقع فليس محبّ دائما لحبيبه ولا ثقة إلَّا له الدهر فاجع / كأنّ بلاد اللَّه ما لم تكن بها وإن كان فيها الناس قفر [ 6 ] بلاقع
--> [ 1 ] في ج : « النطف » . والنطف : المريب . [ 2 ] كذا في « الأمالي » ( ج 2 ص 315 و « لسان العرب » مادة عرف ) . واعترف للأمر : صبر . وفي الأصول : « واعترافا بحبها » . [ 3 ] كذا في « تجريد الأغاني » و « الأمالي » . وفي الأصول : « الحياة » وهو تحريف . [ 4 ] البدع : الغمر من الرجال ، وهو الذي لم يجرب الأمور . [ 5 ] كذا في « الأمالي » . وفي الأصول : « فيما » . [ 6 ] كذا في « الأمالي » : وفي الأصول : « وحش بلاقع » .