السيد محمد هادي الميلاني
32
قادتنا كيف نعرفهم ؟
ومنها : خطبه ورسائله وكلماته التي طفحت بالحكمة والهداية والمعارف . ومنها : رسالة الحقوق ( 1 ) التي رواها الشيخ الأقدم الصدوق قدس سره بإسناده عن أبي حمزة الثمالي قال : هذه رسالة علي بن الحسين عليهما السلام إلى بعض أصحابه : أعلم أن لله عزّوجل عليك حقوقاً محيطة بك في كل حركة تحركتها أو سكنة سكنتها أو حال حلتها ، أو منزلة نزلتها ، أو جارحة قلبتها ، أو آلة تصرفت فيها . فأكبر حقوق الله الله تبارك وتعالى عليك ما أوجب عليك لنفسه من حقه الذي هو أصل الحقوق ، ثم ما أوجب الله عزّوجل عليك لنفسك من قرنك إلى قدمك على اختلاف جوارحك ، فجعل عزّوجل للسانك عليك حقاً ، ولسمعك
--> ( 1 ) لقد كثر اللهو والطرب زمن الأمويين ، وتعددت يومئذ مجالس الغناء والميسر ، وكان ملوك أمية يغدقون بسخاء ويبذلون على هذه الاجتماعات وعلى لياليهم الساهرة الأموال الطائلة ولم يكن يدعوهم إلى هذا اللون من السلوك الاستهتار فقط ، وإنما كان هدفهم من وراء ذلك إماتة الروح الاسلامية الصحيحة ليبعدوا الناس عن سلالة النبيين فلا يهمهم بعد هذا أمر الخلافة ، وليهيئوا الأذهان أيضاً إلى قبول الرأي القائل بأن الخلافة ليست إلاّ ملكاً وأن الله تعالى لم ينص على إمام بعينه كما يتراءى النص إلى فريق كبير من المسلمين وكان من الطبيعي للإمام السجاد - وهو في وسط هذا المجتمع المريض - أن يداوي هذه النفوس ويرجع بها إلى الأخلاق السامية التي تعيد للأمة تعاليم الاسلام التي كاد الأمويون أن يقضوا على معظمها بآرائهم الفاسدة وأعمالهم التي لا تليق بأمة تعرف مكانتها المرموقة بين الأمم المتحضرة الطامحة للمجد والسؤدد والخلود . أجل لقد تفسخت الأخلاق يومئذ تفسخاً يهدد بخطر عظيم ، الأمر الذي دعا الغيارى على الدين والأخلاق أن يهتموا الاهتمام كله بصدّ هذا التيار الجارف . وكان أول من لفت الأنظار إلى هذا الخطر المحدث بالناس جميعاً الإمام زين العابدين عليه السّلام فقد نشط في جهاده نشاطاً عظيماً منقطع النظير فكان يلقى على الأمة بآرائه الاصلاحية تارة عن طريق المناجاة ، وطوراً عن طريق القلم ، وهذه ( رسالة الحقوق ) أملاها عليه السّلام دستوراً عاماً يتضمن كل ما تحتاجه البشرية من حقوق ، فلم يترك حقاً من حقوق الله على عباده ، أو حقوق العباد أو حقوق العباد بعضهم على بعض إلاّ ذكره ونبه عليه ، وقد قدم الأهم فالأهم من هذه الحقوق ببيان رائع ، ومنطق لا يقبل الرد ، ولا أعرف أسلوباً أروع من هذا الأسلوب ، وفكراً صالحة للمجتمع أصلح من هذه الفكر ، وهي مواضيع عامة منبعثة عن حاجات المجتمع الانساني يصلح تطبيقها ، والسير على نهجها في كل زمان ، وهي تكفل للناس السعادة والهناءة في الدارين " . ( محمّد صادق الصدر في : رسالة الحقوق ص 36 ) .