أبي الفرج الأصفهاني

301

الأغاني

أخبرني أحمد بن عبيد اللَّه بن عمّار قال حدّثني يعقوب بن إسرائيل مولى المنصور قال حدّثنا أحمد بن أبي العلاء قال حدّثني إبراهيم الرّمّاح قال حدّثنا جابر أبو العلاء التّنوخيّ قال : / لما نذر أهل بثينة دم جميل وأهدره لهم السلطان ضاقت الدنيا بجميل ، فكان يصعد بالليل على قور [ 1 ] رمل يتنسّم الريح من نحو حيّ بثينة ويقول : أيا ريح الشّمال أما تريني أهيم وأنّني بادي النّحول هبي لي نسمة من ريح بثن ومنّي بالهبوب إلى جميل وقولي يا بثينة حسب نفسي قليلك أو أقلّ من القليل فإذا بدا وضح الصبح انصرف . وكانت بثينة تقول لجوار من الحيّ عندها : ويحكنّ ! إني لأسمع أنين جميل من بعض القيران ! فيقلن لها : اتّقي اللَّه ! فهذا شيء يخيّله لك الشيطان لا حقيقة له . تذاكر هو وكثير شعريهما في العشق وبكيا : حدّثني أحمد بن عمّار قال حدّثني يعقوب بن نعيم قال حدّثني أحمد بن يعلى قال حدّثني سويد بن عصام قال حدّثني روح أبو نعيم [ 2 ] قال : التقى جميل وكثيّر فتذاكرا النّسيب ؛ فقال كثيّر : يا جميل ، أترى بثينة لم تسمع بقولك : يقيك جميل كلّ سوء ، أما له لديك حديث أو إليك رسول وقد قلت في حبّي لكم وصبابتي محاسن شعر ذكرهنّ يطول / فإن لم يكن قولي رضاك فعلَّمي هبوب الصّبايا بثن كيف أقول فما غاب عن عيني خيالك لحظة ولا زال عنها ، والخيال يزول فقال جميل : أترى عزّة قد حال يا كثيّر لم تسمع بقولك : يقول العدا يا عزّ قد حال دونكم شجاع على ظهر الطريق مصمّم فقلت لها واللَّه لو كان دونكم جهنّم ما راعت فؤادي جهنّم / وكيف يروع القلب يا عزّ رائع ووجهك في الظَّلماء للسّفر معلم وما ظلمتك النفس يا عزّ في الهوى فلا تنقمي حبّي فما فيه منقم قال : فبكيا قطعة من الليل ثم انصرفا . واعد بثينة وعرف ذلك أهلها فلم تذهب : وقال الهيثم بن عديّ ومن ذكر روايته معه من أصحابه : زار جميل بثينة ذات يوم ، فنزل قريبا من الماء يترصّد أمة لها أو راعية ؛ فلم يكن نزوله بعيدا من ورود أمة حبشيّة معها قربة ، وكانت به عارفة وبما [ 3 ] بينها وبينه . فسلَّمت عليه وجلست معه ، وجعل يحدّثها ويسألها عن

--> [ 1 ] القور : الآكام العظيمة ، واحدها قارة . [ 2 ] في ح : « روح بن نعيم » . [ 3 ] في الأصول : « لما » بالام .