أبي الفرج الأصفهاني

257

الأغاني

/ قدم جرير على عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك وهو نازل بدير مرّان [ 1 ] ؛ فكنا نغدو إليه بكرا [ 2 ] ، فيخرج إلينا ويجلس في برنس خزّ له لا يكلَّمنا كلمة حتى يجيء طبّاخ عبد العزيز إليه بقدح من طلاء مسخّن / يفور ، وبكتلة من سمن كأنها هامة رجل فيخوضها فيه ، ثم يدفعه إليه فيأتي عليه ، ويقبل علينا ويحدّثنا في كل فنّ ، وينشدنا لنفسه ولغيره ؛ حتى يحضر غداء عبد العزيز فنقوم إليه جميعا . وكان يختم مجلسه بالتسبيح فيطيل . فقال له رجل : ما يغني عنك هذا التسبيح مع قذفك للمحصنات ! فتبسّم وقال : يا بن أخي ( خلطوا عملا صالحا وآخر سيّئا عسى اللَّه أن يتوب عليهم ) إنهم واللَّه يا بن أخي يبدؤني ثم لا أحلم . وفد رجل من قبيلة الفرزدق على امرأة من بني حنيفة فأسمعته هجو جرير لهم وقصة عشقها لابن عم محمد : أخبرني عمّي قال حدّثنا ابن أبي سعد قال حدّثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن سعيد بن جعفر بن يوسف بن محمد بن موسى [ 3 ] قال حدّثني الأخفش عن أبي محذورة الورّاق عن أبي مالك الراوية قال سمعت الفرزدق يقول : وأخبرني بهذا الخبر محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني إبراهيم بن محمد الطائفيّ قال حدّثني محمد بن مسعدة [ 4 ] الأخفش عن أبي محذورة الورّاق عن أبي مالك الراوية قال : سمعت الفرزدق يقول : أبق غلامان لرجل منا يقال له الخضر ، فحدّثني قال : خرجت في طلبهما وأنا على ناقة لي عيساء [ 5 ] كوماء أريد اليمامة ؛ فلما صرت في ماء لبني حنيفة يقال له الصّرصران ارتفعت سحابة فرعدت وبرقت وأرخت عزاليها [ 6 ] ؛ / فعدلت إلى بعض ديارهم وسألت القرى فأجابوا ( فدخلت دارا لهم وأنخت الناقة وجلست تحت ظلَّة لهم من جريد النخل ، وفي الدار جويرية لهم سوداء ، إذ دخلت جارية كأنها سبيكة فضة وكأن عينيها كوكبان درّيان ؛ فسألت الجارية : لمن هذه العيساء ؟ ( تعني ناقتي ) فقالت : لضيفكم هذا . فعدلت إليّ فقالت : السلام عليكم ، فرددت عليها السلام . فقالت لي : ممّن الرجل ؟ فقلت : من بني حنظلة . فقالت : من أيّهم ؟ فقلت : من بني نهشل . فتبسّمت وقالت : أنت إذا ممّن عناه الفرزدق بقوله : إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعزّ وأطول بيتا بناه لنا المليك وما بنى ملك السماء فإنه لا ينقل بيتا زرارة محتب بفنائه ومجاشع وأبو الفوارس نهشل قال : فقلت : نعم جعلت فداك ! وأعجبني ما سمعت منها . فضحكت وقالت : فإن ابن الخطفى قد هدم عليكم بيتكم هذا الذي فخرتم به حيث يقول :

--> [ 1 ] دير مرّان : قرب دمشق على تل مشرف على مزارع الزعفران ورياض حسنة ، وبناؤه بالجص وأكثر فرشه بالبلاط الملون . ( انظر « معجم البلدان » لياقوت في الكلام عليه ) . [ 2 ] البكر ( بالتحريك ) : البكرة . [ 3 ] ورد هذا الاسم هكذا في جميع الأصول . [ 4 ] الأخافش كثيرون وليس منهم من له هذا الاسم ، غير أن أحدهم يسمى سعيد بن مسعدة . [ 5 ] العيساء من النوق : التي يضرب لونها إلى الأدمة ، وقيل : هي التي يخالط بياضها شيء من الشقرة . وكوماء : عظيمة السنام طويلته . [ 6 ] العزالي : جمع عزلاء ، والعزلاء في الأصل : مصب الماء من الراوية والقربة . شبه اتساع المطر واندفاقه بالذي يخرج من فم المزادة .