أبي الفرج الأصفهاني
475
الأغاني
الأبيات . فبكى ثم قال : هذا شعر رجل جائع في جارية طبّاخة مليحة ، فقلت له : من أين قلت ذاك ؟ قال : لأنه بدأ فقال : قلبي إلى ما ضرّني داعي وكذلك الإنسان يدعوه قلبه وشهوته إلى ما يضرّه من الطَّعام والشّراب فيأكله ، فتكثر عللَّه وأوجاعه ، وهذا تعريض ، ثم صرّح فقال : كيف احتراسي من عدوّي إذا كان عدوّي بين أضلاعي وليس للإنسان عدوّ بين أضلاعه إلَّا معدته ، فهي تتلف ماله ، وهي سبب أسقامه ، وهي مفتاح كلّ بلاء عليه ، ثم قال : إن دام لي هجرك يا مالكي أوشك أن ينعاني النّاعي فعلمت أنّ الطبّاخة كانت صديقته ، وأنها هجرته ففقدها وفقد الطَّعام ، فلو دام ذلك عليه لمات جوعا ونعاه النّاعي . تمثل الحسن بن وهب بشعره في حادثة له مع بنان : وحدّثني الصّوليّ قال حدّثني محمد بن عيسى قال : جاء عبد اللَّه بن العبّاس بن الفضل بن الرّبيع إلى الحسن بن وهب ، وعنده بنان جارية محمد بن حمّاد ، وهي نائمة سكرى وهو يبكي عندها . فقال له : مالك ؟ قال : قد كنت نائما فجاءتني فأنبهتني وقالت : اجلس حتى تشرب فجلست ، فو اللَّه ما غنّت / عشرة أصوات حتى نامت وما شربت إلَّا قليلا ، فذكرت قول أشعر الناس وأظرفهم ، العبّاس بن الأحنف . صوت أبكى الذين أذاقوني مودّتهم حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا فأنا أبكي وأنشد هذا البيت . كلام ابنه إبراهيم في مدح شعر له وبلاغته وابشاده له : وحدّثني الصّوليّ قال حدّثني القاسم بن إسماعيل قال : سمعت إبراهيم بن العبّاس يقول : ما رأيت كلاما محدثا أجزل في رقّة ، ولا أصعب في سهولة ، ولا أبلغ في إيجاز ، من قول العباس بن الأحنف : تعالي تجدّد دارس العهد بيننا كلانا على طول الجفاء ملوم قال الصّوليّ : ووجدت بخطَّ عبد اللَّه بن الحسن : أنشد أبو محمد الحسن بن مخلد قال : أنشدني إبراهيم بن العباس بن الأحنف : صوت إن قال لم يفعل وإن سيل لم يبذل وإن عوتب لم يعتب