أبي الفرج الأصفهاني
396
الأغاني
لمّا خرج لمحاربة بابك [ 1 ] ، ثم تنكَّر له ؛ فوجّه يوما بمن جاء به ليقتله . وبلغ المعتصم الخبر ، فبعث إليه بأحمد / بن أبي دواد وقال له : أدركه ، وما أراك تلحقه ، فاحتل في خلاصه منه كيف شئت . قال ابن أبي دواد : فمضيت ركضا حتى وافيته ، فإذا أبو دلف واقف بين يديه وقد أخذ بيديه غلامان له تركيّان ، فرميت بنفسي على البساط ، وكنت إذا جئته دعا لي بمصلَّى ، فقال لي : سبحان اللَّه ! ما حملك على هذا ؟ قلت : أنت أجلستني هذا المجلس . ثم كلَّمته في القاسم وسألته فيه وخضعت له ، فجعل لا يزداد إلَّا غلظة . فلما رأيت ذلك قلت : هذا عبد وقد أغرقت في الرّفق به فلم ينفع ، وليس إلا أخذه بالرّهبة والصّدق ؛ فقمت / فقلت : كم تراك قدرت ! تقتل أولياء أمير المؤمنين واحدا بعد واحد ، وتخالف أمره في قائد بعد قائد ! قد حملت إليك هذه الرسالة عن أمير المؤمنين ، فهات الجواب ! . قال : فذلّ حتى لصق بالأرض وبان لي الاضطراب فيه . فلما رأيت ذلك نهضت إلى أبي دلف وأخذت بيده ، وقلت له : قد أخذته بأمر أمير المؤمنين . فقال : لا تفعل يا أبا عبد اللَّه . فقلت : قد فعلت وأخرجت القاسم فحملته على دابّة ووافيت المعتصم . فلما بصر بي قال : بك يا أبا عبد اللَّه وريت زنادي ، ثم ردّ عليّ خبري مع الإفشين حدسا بظنّه ما أخطأ فيه حرفا ؛ ثم سألني عما ذكره لي وهو كما قال ، فأخبرته أنه لم يخطئ حرفا . أنكر عليه أحمد بن أبي دواد الغناء مع جلالة قدره وكبر سنه : وقال عليّ بن محمد حدّثني جدّي قال : كان أحمد بن أبي دواد ينكر أمر الغناء إنكارا شديدا . فأعلمه المعتصم أن صديقه أبا دلف يغنّي ؛ فقال : ما أراه مع عقله يفعل ذلك . فستر أحمد بن أبي دواد في موضع وأحضر أبا دلف وأمره أن يغنّي ، ففعل ذلك وأطال ؛ ثم أخرج أحمد بن أبي دواد عليه من موضعه والكراهة ظاهرة في وجهه . فلما رآه أحمد قال له : سوءة لهذا من فعل [ 2 ] ! بعد هذه السّنّ وهذا المحلّ تضع نفسك كما أرى ! فحجل أبو دلف وتشوّر [ 3 ] ، وقال : إنهم أكرهوني على ذلك . فقال : هبهم أكرهوك على الغناء أفأكرهوك على الإحسان والإصابة ! . سمع المعتصم غناءه عند الواثق فمدحه : قال عليّ وحدّثني جدّي : أنّ سبب منادمته للمعتصم أنه كان نديما للواثق ، وكان أبو دلف قد وصف للمعتصم فأحب أن يسمعه ، وسأل الواثق عنه ؛ فقال : يا أمير المؤمنين ، أنا على الفصد غدا وهم عندي . فقال له المعتصم : أحبّ ألَّا تخفي عليّ / شيئا من خبركم . وفصد الواثق ، فأتاه أبو دلف وأتته رسل الخليفة بالهدايا ، وأعلمهم الواثق حضور أبي دلف عنده ؛ فلم يلبث أن أقبل الخدم يقولون : قد جاء الخليفة . فقام الواثق وكلّ من عنده حتى تلقّوه حين برز من الدّهليز إلى الصّحن ؛ فجاء حتى جلس ، وأمر بندماء الواثق فردّوا إلى مجالسهم . قال حمدون [ 4 ] : وخنست عن مجلسي الذي كنت فيه لحداثتي ؛ فنظر المعتصم إلى مكاني خاليا ، فسأل عن صاحبه فسمّيت له ، فأمر بإحضاري فرجعت إلى مكاني ، وأمر بأن يؤتى برطل من شرابه فأتي به ؛ فأقبل على أبي دلف فقال له : يا قاسم ، غنّ
--> [ 1 ] هو بابك الخرّمي الطاغية الذي كاد أن يستولي على الممالك زمن المعتصم ، كان يرى رأي المزدكية من المجوس الذين خرجوا أيام قباذ وأباحوا النساء والمحرّمات ، وقتلهم أنوشروان . ( عن شرح القاموس مادة خرم ) . [ 2 ] كذا في « ج » . وفي « سائر الأصول » : « سوءة لمن فعل هذا . . . » . [ 3 ] تشوّر : خجل . [ 4 ] هو حمدون بن إسماعيل بن داود الكاتب أوّل من نادم الخلفاء من أهله .