أبي الفرج الأصفهاني

382

الأغاني

إلى مال له بالعرج - وبهذا الموضع سمّي العرجيّ - فجرى بينه وبينّ مولىّ لبني أميّة كلام ، فأمضّه المولى فكفّ عنه العرجيّ حتى أوى إلى منزله ، ثم هجم عليه ومعه غلمانه فأمرهم أن يوثقوه ، ثم أمرهم أن ينكحوا امرأته وهو يراهم ففعلوا ، ثم أخرجه فقتله . فبلغ أمير مكة ما فعل فطلبه ، فخرج من منزله وأخرج معه غلمانه ومواليه وآلة الصّيد وتوجّه نحو المدينة وقد ركب أفراسه وأعدّ عدّته . فلم يزل يتصيّد ويقصف في طريقه حتى دخل المدينة ليلا ، وأراد المقام في منزل جميلة ، وكانت آلت ألَّا تغنّي بشعره ولا تدخله منزلها لكثرة عبثه وسفهه وحداثة سنّه . فلما أعلمت بمكانه ليلا قالت : طارق ! إن له لشأنا ! فاستخبرت خبره فقيل لها : إنه قدم مستخفيا ، ولم ير بالمدينة موضعا هو أطيب له من منزلك ، والأيمان تكفّر ، والأشراف لا يردّون . فقالت لرسولها إليه : منزلي منزل جواز . ولا يمكن مثلك الاستخفاء فيه ، فعليك بالأحوص - وكان الأحوص مجانبا له لشيء جرى بينه وبينه في منزل جميلة - فقال : أنّى لي بالأحوص مع الذي كان بيننا ! قالت : ائته عنّي وقل له : قد غنّينا بذلك الشعر ؛ فأنّ أحببت أن تظهر وتبقى مودّتنا لك ، فأصلح ما بينك وبين عبد اللَّه ، إذ أصلح ما بيننا ، وأنزله منزلك . قال لها : ليس هذا بمقنعي ؛ أمّا إذ أبيت أن أقيم بمنزلك فوجّهي معي رسولا إلى الأحوص ؛ فإنّ منزله / أحبّ المنازل إليّ بعد منزلك . / فوجّهت معه إلى الأحوص بعض مولياتها ؛ فأنزله الأحوص وأكرمه وأحسن جواره وستر أمره . فقال شعرا ووجّه به إلى جميلة : ألا قاتل اللَّه الهوى كيف أخلقا فلم تلفه إلَّا مشوبا ممذّقا [ 1 ] وما من حبيب يستزير حبيبه يعاتبه في الودّ إلا تفرّقا أمرّ وصال الغانيات فأصبحت مضاضته يشجى بها من تمطَّقا [ 2 ] تعلَّق هذا القلب للحين معلقا غزالا تحلَّى عقد درّ ويارقا [ 3 ] إذا قلت مهلا للفؤاد عن الَّتي دعتك إليها العين أغضى وأطرقا دعانا فلم نستبق حبّا بما نرى فما منك هذا العذل إلا تخرّقا [ 4 ] فقد سنّ هذا الحبّ من كان قبلنا وقاد الصّبا المرء الكريم فأعنقا [ 5 ] فلمّا قرأت شعره رقّت له وقالت : كيف لي بإيلائي ألَّا يدخل منزلي ولا أغنّيه بشعره ؟ ! فقيل لها : يدخل منزلك وتغنّين وتكفّرين عن يمينك . فوجّهت إليه أن صر إلينا والأحوص في تلك الليلة ، فجاءاها ؛ وعرّفت الأحوص تكفير اليمين ؛ فقال لها : وأنا واللَّه شفيعه إليك ؛ ففرّجي ما به من غمّ فقد فارق من يحبّ ويهوى ، فتؤنسينه وتسرّينه وتغنّينه بشعره . فغنّت : ألا قاتل اللَّه الهوى كيف أخلقا فلم تلفه إلَّا مشوبا ممذّقا

--> [ 1 ] ممذقا : مخلوطا ، يقال : فلان يمذّق الود إذا لم يخلصه . [ 2 ] تمطق : تذوق وتمضغ . [ 3 ] اليارق : السوار . [ 4 ] كذا في ب ، س . وفي سائر الأصول : دعانا فلم نسبق محبا بما نرى فما منك هذا الغدر إلَّا تخرقا [ 5 ] الإعناق : السير المنبسط . يريد أن الصبا إذا قاد المرء الكريم انقاد له وجرى في ميدانه .