أبي الفرج الأصفهاني
361
الأغاني
قوم من أهل اليمن يريدون النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فضلَّوا [ 1 ] الطريق ووقعوا على غيرها ومكثوا ثلاثا لا يقدرون على الماء ، وجعل الرجل منهم يستذري [ 2 ] بفيء السّمر والطَّلح يائسا من الحياة ، إذ أقبل راكب على بعير له ، وأنشد بعض القوم هذين البيتين فقال : ولما رأت أن الشّريعة همّها وأن البياض من فرائصها دامي تيمّمت العين التي عند ضارج يفيء عليها الظَّلّ عرمضها طامي فقال الراكب : من يقول هذا ؟ قال : امرؤ القيس . قال : واللَّه ما كذب ؛ هذا ضارج عندكم ، وأشار لهم إليه ؛ فحبوا على الرّكب فإذا ماء [ 3 ] عذب وإذا عليه العرمض والظلّ يفيء عليه ، فشربوا منه ريّهم وحملوا ما اكتفوا به حتى بلغوا الماء ، فأتوا / النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم / فأخبروه وقالوا : يا رسول اللَّه ، أحيانا اللَّه عزّ وجلّ ببيتين من شعر امرئ القيس ، وأنشدوه الشعر . فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « ذلك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها ، مسنيّ في الآخرة خامل فيها ، يجيء يوم القيامة معه لواء الشعراء إلى النار » . فكلّ استحسن الحديث . ونهض عبد اللَّه بن جعفر ونهض القوم معه . فما رأيت مجلسا كان أحسن منه . سئل عمر بن الخطاب عن الشعراء فقدّم أمرأ القيس : قال إسحاق : حدّثني بعض أهل العلم عن ابن عيّاش عن الشّعبيّ قال : رأيت دغفلا النسّابة يحدّث أنه رأى العباس بن عبد المطَّلب سأل عمر بن الخطَّاب عن الشعراء ، فقال : امرؤ القيس سابقهم خسف لهم عين الشعر فافتقر عن [ 4 ] معان عور أصحّ بصرا [ 5 ] ، قال إسحاق : معنى خسف : احتفر . وهو من كندة من اليمن ، وليست لهم فصاحة مضر ، ولا شعرهم بجيّد . فجعل معاني اليمن معاني عورا وما قاله : أصحّ بصرا [ 5 ] أي أجود شعرا . ومعنى افتقر : احتفر . والفقيرة : الحفيرة تحفر للفسيلة لتغرس . وكل ما ابتدأت حفره فهو فقير . والمعنى أنه قال شعرا جيّدا وليس هو في معنى شعر مضر . حديث جرير عن طرفة وامرىء القيس وزهير وذي الرمة : وقال عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير بن الخطفى : سمعت أبي يقول : دخل جدّي على بعض ملوك بني أمية ؛ فقال : ألا تخبرني عن الشعراء ؟ قال بلى . قال : من أشعر الناس ؟ قال : ابن العشرين ( يعني طرفة ) . قال : فما تقول في امرئ القيس ؟ قال : اتخذ الخبيث الشعر نعلين ، فأقسم باللَّه لو أدركته لرفعت له ذلاذله [ 6 ] . قال : فما رأيك في ابن أبي سلمى ؟ قال : كان يبري / الشعر . قال : فما رأيك في ذي الرّمّة ؟ قال : قدر من طريف الكلام وغريبه وحسنه على ما لم يقدر عليه أحد حتى صنّف الشعر .
--> [ 1 ] في الأصول : « فأضلوا » . ولا يقال : أضللت الشيء إلَّا إذا ضاع منك . وأما إذا أخطأت موضع الشيء الثابت مثل الدار والمكان قلت : ضللته ، ولا تقل : أضللته . [ 2 ] يستذري : يستظل . [ 3 ] في أ ، م : « عدّ » . والماء العدّ : الدائم الذي له مادة لا انقطاع لها مثل ماء العين وماء البئر . [ 4 ] كذا في « لسان العرب » ( مادة فقر ) . وفي الأصول : « من معان » . [ 5 ] في جميع الأصول واللسان : « أصح بصر » ولم يظهر له عندنا وجه . [ 6 ] كذا في ح . والذلاذل : أسافل القميص الطويل ، الواحد ذلذل . وفي سائر الأصول : « زلازله » بزايين ، وهو خطأ .