أبي الفرج الأصفهاني

359

الأغاني

فللسّوط ألهوب وللساق درّة وللزّجر منه وقع أهوج منعب [ 1 ] فجهدت فرسك بسوطك ، ومريته [ 2 ] بساقك وزجرك ، وأتعبته بجهدك . وقال علقمة : فولَّى على آثارهنّ بحاصب وغيبة شؤبوب من الشّدّ ملهب [ 3 ] فأدركهنّ ثانيا من عنانه يمرّ كمرّ الرائح المتحلَّبب [ 4 ] فلم يضرب فرسه بسوط ، ولم يمره بساق ، ولم يتعبه بزجر . فقال ابن عائشة : جعلت فداك ! أتأذنين أن أحدّث ؟ قالت : هيه . قال : إنما تزوج أمّ جندب حين هرب من المنذر بن ماء السماء فأتى جبلي طيّء ، وكان مفرّكا [ 5 ] . فبينا هو معها ذات ليلة إذ قالت له : قم يا خير الفتيان فقد أصبحت . فلم يقم ؛ فكرّرت عليه فقام فوجد الفجر لم يطلع ، فرجع فقال لها : ما حملك على ما صنعت ؟ فأمسكت . وألحّ عليها فقالت : حملني أنك ثقيل الصدر ، خفيف العجيزة ، سريع الإراقة ، بطيء الإفاقة . فعرف تصديق قولها وسكت . فلما أصبح أتى علقمة وهو في خيمته وخلفه أمّ جندب ، فتذاكروا الشعر ، فقال امرؤ القيس : أنا أشعر منك ، وقال علقمة مثل ذلك ، فتحاكما إلى أمّ جندب ، ففضّلت أمّ جندب علقمة على امرئ القيس . / فقال لها : بم فضّلته عليّ ؟ قالت : فرس ابن عبدة أجود من فرسك . زجرت وضربت وحرّكت ساقيك ، وابن عبدة جامد لا مقتدر [ 6 ] . فغضب من قولها وطلَّقها ، وخلف عليها علقمة . فقالت جميلة : ما أحسن مجلسنا لو دام اجتماعنا ! . ثم دعت بالغداء فأتى بألوان الأطعمة وأنواع من الفاكهة . ثم قالت : لولا شناعة [ 7 ] مجلسنا لكان الشراب معدّا ولكنّ الليل بيننا . فلم يزالوا يومهم ذلك بأطيب مجلس وأحسن حديث . فلما جنّهم الليل دعت بالشراب ودعت لكل رجل منهم بعود ، وأخذت هي عودا فضربت ، ثم قالت : اضربوا فضربوا عليها بضرب واحد ، وغنّت بشعر امرئ القيس : أأذكرت نفسك ما لن يعودا فهاج التّذكَّر قلبا عميدا تذكَّرت هندا وأترابها وأيّام كنت لها مستقيدا [ 8 ] ويعجبك اللَّهو والمسمعات فأصبحت أزمعت منها صدودا ونادمت قيصر في ملكه فأوجهني [ 9 ] وركبت البريدا فما سمع السامعون بشيء أحسن من ذلك . ثم قالت : تغنّوا جميعا بلحن واحد ؛ فغنّوها هذا الشعر والصوت بعينه

--> [ 1 ] المنعب : الأحمق المصوت ، كذا في « اللسان » واستشهد بالبيت . والمتعب أيضا : الذي يمد عنقه في العدو . [ 2 ] مري الفرس : استخرج جريه . [ 3 ] على آثارهنّ : يعني البقر . وبحاصب : يعني بعدو شديد كالحاصب من المطر وهو العظيم القطر . والغيبة : المطرة التي تجيء شديدة . والشؤبوب : أول كل شيء وحدّته . وملهب : مثير للهب من شدّة جريه . واللهب : الغبار الساطع كالدخان المرتفع من النار . [ 4 ] الرائح : يعني السحاب الذي يأتي بالعشيّ ، والسحاب أغزر ما يكون بالعشيّ . والمتحلب : المتساقط المتتابع . [ 5 ] المفرّك : الذي يبغضه النساء . [ 6 ] كذا في أكثر الأصول . وفي ب ، س : « مغتدر » بالغين المعجمة . وكلاهما غير واضح . [ 7 ] تريد : لولا شهرة مجلسمنا وقبح الأحدوثة عنه . [ 8 ] استقاد له : أعطاه مقادته أي أطاعه له . [ 9 ] أوجهه : شرفه وجعله وجيها .