أبي الفرج الأصفهاني

354

الأغاني

وما ذكرتك إلَّا هجت لي طربا إنّ المحبّ ببعض الأمر معذور ليس المحبّ بمن [ 1 ] إن شطَّ غيّره هجر الحبيب وفي الهجران تغيير صوت نام الخليّ فنوم العين تعذير [ 2 ] مما ادّكرت وهمّ النفس مذكور ذكرت سلمى وما ذكري براجعها ودونها سبسب يهوي به المور [ 3 ] - الشعر لزهير . والغناء في هذين البيتين لجميلة فقط رمل بالوسطى عن حبش - فحينئذ ظهر أمري وشاع ذكري ، فقصدني الناس وجلست للتعليم ؛ فكان الجواري يتكاوسنني [ 4 ] ، فربما انصرف أكثرهنّ ولم يأخذن شيئا سوى ما سمعنني أطارح لغيرهنّ ، ولقد كسبت لمواليّ ما لم يخطر لهنّ ببال ، وأهل ذلك كانوا وكنت . إجماع الناس على تقدمها في الغناء : وحدّثني أبو خليفة قال حدّثني ابن سلَّام قال حدّثني مسلمة بن محمد بن مسلمة الثّقفيّ قال : كانت جميلة ممّن لا يشكّ في فضيلتها في الغناء ، ولم يدّع أحد مقاربتها [ 5 ] في ذلك ، وكلّ مدنيّ ومكيّ يشهد لها بالفضل . وصف مجلس من مجالسها غنت فيه وغنى فيه مغنو مكة والمدينة : قال إسحاق وحدّثني هشام بن المرّيّة المدنيّ قال حدّثني جرير المدنيّ - قال إسحاق : وكانا جميعا مغنّيين حاذقين شيخين جليلين عالمين ظريفين ، وكانا قد أسنّا ، فأمّا هشام فبلغ الثمانين ، وأمّا جرير فلا أدري - قال جرير : وفد ابن سريج والغريض وسعيد بن مسجح ومسلم بن محرز المدينة لبعض من وفدوا عليه ، فأجمع رأيهم على النزول على جميلة مولاة بهز ، فنزلوا عليها فخرجوا يوما إلى العقيق متنزّهين ، فوردوا على معبد وابن عائشة فجلسوا إليهما فتحدّثوا ساعة ؛ ثم سأل معبد ابن سريج وأصحابه أن يعرضوا عليهم بعض ما ألَّفوا . فقال ابن عائشة : إنّ للقوم أعمالا كثيرة حسنة ولك أيضا يا أبا عبّاد ، ولكن قد اجتمع علماء مكة ، وأنا وأنت من أهل المدينة ، فليعمل كلّ واحد منّا صوتا ساعته ثم يغنّ به . قال / معبد : يا بن عائشة ، قد أعجبتك نفسك حتى بلَّغتك هذه المرتبة ! . قال ابن عائشة : أو غضبت يا أبا عبّاد ! إنّي لم أقل هذا وأنا أريد أن أتنقّصك فإنك لأنت المفاد منه . قال معبد : أمّا إذ قد اختلفّنا وأصحابنا المكَّيّون سكوت فلنجعل بيننا حكما . قال ابن عائشة : إنّ أصحابنا شركاء في الحكومة . قال ابن سريج : على شريطة ؛ قال [ 6 ] : على أن يكون ما نغنّي به من الشعر ما حكَّمت فيه امرأة . قال ابن عائشة / ومعبد :

--> [ 1 ] في ب ، س : « كمن » . [ 2 ] تعذير : قليل . وفي ب ، س : « تقرير » وهو تحريف . [ 3 ] المور : الغبار المتردد ، وقيل : التراب تثيرة الريح . [ 4 ] يتكاوسنني ، تريد : يتكنفنني ويتزاحمن حولي . ضمن « تكاوس » بمعنى « تكنف » فتعدّى تعديته ؛ إذ الموجود في « كتب اللغة » أن التكاوس التزاحم والتراكم ، فهو فعل لازم ؛ يقال : تكاوس النخل والشجر والعشب إذا كثر والتف ، وتكاوس النبت إذا التف وسقط بعضه على بعض . [ 5 ] في ح ، أ : « مقارنتها » بالنون . [ 6 ] كلمة « قال » هنا ظاهرة الزيادة .