السيد كاظم الحائري

436

القضاء في الفقه الإسلامي

فيقضي القاضي لصالح المنكر ، إما مطلقا ، أو بعد يمينه ، لزم من ذلك أن بامكان المنكر دائما أن يلغي بينة المدعي ، ذلك بإقامته هو للبينة ما دام كلامه مطابقا للحكم الظاهري ، وما دمنا قلنا بجواز كون الحكم الظاهري أساسا للشهادة ، وهذا أيضا غير محتمل فقهيا ، ثم لو قلنا بعدم الحاجة إلى يمين المنكر عند تعارض البينتين ، لزم أيضا ما مضى من إمكان تخلص المنكر من اليمين دائما . وإن اخترنا المبنى الثالث : وهو أنه لا تقبل البينة من المنكر بأي شكل من الأشكال ، قلنا : إن البينة القائمة على أساس التعبد : إما أن تكشف هويتها أمام القاضي ، أو لا تكشف هويتها أمام القاضي ، فيعتقد - أو يحتمل - القاضي كونها قائمة على أساس معرفة الواقع بالحس أو ما يقرب من الحس . فإن كشفت هويتها أمام القاضي وبينت أن الشهادة قائمة على أساس الحكم الظاهري ، فبهذا قد انقلب المدعي منكرا ، إذ أصبح كلامه موافقا للحكم الظاهري ، وبذلك سقطت البينة عن الحجية القضائية ، لأننا فرضنا عدم قبول البينة من المنكر إطلاقا . وإن لم تكشف هويتها أمام القاضي ، فهنا نسأل : ما ذا يقصد بفرض حجية هذه البينة ؟ فإن قصد بذلك حجيتها بمعنى أن القاضي قد اغتر ، واعتقد أن هذه بينة قائمة على أساس الإحساس بالواقع ، وكان من الطبيعي عندئذ تنفيذه هذه البينة ، فهذا لا يعني حجية البينة القائمة على أساس التعبد كما هو واضح ، وإنما يعني أن البينة خانت بتحريف مسيرة القضاء بإيحائها إلى ذهن القاضي أنها قائمة على أساس الإحساس بالواقع لا التعبد . وإن قصد بذلك أن عدم كشف البينة عن هويتها التعبدية جعلها ذات قيمة أكبر مما لو كشفت عن هويتها بحيث أصبحت الآن حجة حقيقية لا من باب تغرير