السيد البجنوردي
355
القواعد الفقهية
إن قلت : إن التوبة لو كانت صرف عدم العصيان لكان ما ذكرت حقا وصحيحا ، ولكن الامر ليس التوبة صرف الترك وعدم العصيان ، بل هي عبارة عن الترك ، بمعنى ردع النفس ومنعها عن ارتكاب الشهوات والمحرمات للوصول إلى مراتب القدس والكمال ، والاتصال المعنوي إلى حضرة ذي الجلال ، وهذا المعنى لا يحصل إلا بالترك بمعنى كف النفس عن ارتكاب الملاذ المحرمة ومتابعة الشهوات ، مثل الصوم الذي هو من أكبر العبادات وأفضل القربات ، فإنه صرف انتراك المفطرات ، بل عبارة عن إمساك النفس عن ارتكابها ، ولذلك يجب فيه القصد والعزم على تركها . والجواب : أن تلك الإرادة والقصد المتعلق بالعنوان الاجمالي يكفي في استناد الترك إلى التائب ، كما أن الامر في الصوم أيضا كذلك ، فلو نوى الامساك عن المفطرات التي جعلها الشارع مفطرا يكفي في تحقق الصوم وإن لم يعرفها تفصيلا ، بل في نيته هذه المفطرات التي هي مكتوبة في هذه الرسالة أمسك عنها إذا سئل عن العارف بالأحكام ، فكل ما عين وقال أنه مفطر أمسك عنه ، فقصد ذلك العنوان الاجمالي موجب لصحة استناد هذه التروك إلى التائب ، بل ذلك القصد يصير سببا لكف النفس عن ارتكاب مصاديق ذلك العنوان . وإذا سئل عنه لماذا لا تفعل كذا وكذا ، يجب بأني تبت وبنيت على عدم ارتكاب هذه الأمور . [ الامر ] الحادي عشر : في بيان طرق التوبة عن المعاصي . قد عرفت أن التوبة عبارة عن الندم عن فعل ما هو محرم ، أو عن ترك ما هو واجب ، وهو أيضا يرجع إلى ما هو المحرم ، لان ترك الواجب حرام . والمحرمات على أقسام : منها : ترك الواجبات العبادية ، كالصلاة والصوم والزكاة والحج والخمس والكفارات والمنذورات ، وطريق التوبة فيها بعد الندم على تركها فيما مضى ، والعزم