أبي الفرج الأصفهاني

370

الأغاني

عبد العزيز بعث في الفداء . وقال عمر بن شبّة : إن إسماعيل حدّث قال : كنت عند عمر بن عبد العزيز فأتاه البريد الذي جاء من القسطنطينية فحدّثه قال : بينا أنا أجول في القسطنطينية إذ سمعت رجلا يغنّي بلسان فصيح وصوت شج : فكم من حرّة بين المنقّى إلى أحد إلى جنبات ريم فسمعت غناء لم أسمع قطَّ أحسن منه . فلما سمعت الغناء وحسنه ، لم أدر أهو كذلك حسن ، أم لغربته وغربة العربيّة في ذلك الموضع . فدنوت من الصوت ، فلما قربت منه إذا هو في غرفة ، فنزلت عن بغلتي فأوثقتها ثم صعدت إليه فقمت على باب الغرفة ، فإذا رجل مستلق على قفاه يغنّي هذين البيتين [ 1 ] لا يزيد عليهما وهو واضع إحدى رجليه على الأخرى ، فإذا فرغ بكى فيبكي ما شاء اللَّه ثم يعيد الغناء . ففعل ذلك مرارا ؛ فقلت : السلام عليكم ؛ فوثب وردّ السلام ؛ فقلت : أبشر فقد فكّ اللَّه أسرك ، أنا بريد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز إلى هذا الطاغية في فداء / الأسارى . ثم سألته : من أنت ؟ فقال : أنا الوابصيّ ، أخذت فعذّبت حتى دخلت في دينهم ؛ فقلت له : أنت واللَّه أحبّ من أفتديه إلى أمير المؤمنين وإليّ إن لم تكن دخلت في الكفر ؛ فقال : قد واللَّه دخلت فيه ؛ فقلت : أنشدك اللَّه إلَّا أسلمت ؛ فقال : أأسلم وهذان ابناي وقد تزوجت امرأة منهم وهذان ابناها ، وإذا دخلت المدينة قيل لي يا نصرانيّ وقيل مثل ذلك لولديّ وأمهما ! لا واللَّه لا أفعل . فقلت له : قد كنت قارئا للقرآن فما بقي معك منه ؟ قال : لا شيء إلا هذه الآية * ( رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ) * . قال : فعاودته وقلت له : إنك لا تعيّر بهذا ؛ فقال : وكيف بعبادة الصليب وشرب الخمر وأكل لحم الخنزير ؟ فقلت : سبحان اللَّه ! أما تقرأ : * ( إِلَّا مَنْ أُكْرِه َ وقَلْبُه ُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمانِ ) * فجعل يعيد عليّ قوله : فكيف بما فعلت ! ولم يجبني إلى الرجوع . قال : فرفع عمر يده وقال : اللهم لا تمتني حتى تمكنني منه . قال : فو اللَّه ما زلت راجيا لإجابة دعوة عمر فيه . قال جويرية في حديثه : وقد رأيت أخا الوابصيّ بالمدينة . لقبه رجل بصري فأخبره أن سبب تنصره عشقه لامرأة منهم : وقال يعقوب بن السّكَّيت في هذا الخبر . أخبرني ابن الأزرق عن رجل من أهل البصرة أنسيت اسمه قال : نزلنا في ظلّ حصن من الحصون التي للروم ، فإذا أنا بقائل يقول من فوق الحصن : فكم بين الأقارع فالمنقّى إلى أحد إلى ميقات ريم إلى الزّوراء [ 2 ] من ثغر نقيّ عوارضه ومن دلّ رخيم ومن عين مكحّلة الأماقي بلا كحل ومن كشح هضيم / وهو ينشد بلسان فصيح ويبكي ، فناديته : أيها المنشد ، فأشرف فتّى كأحسن الناس . فقلت : من الرجل وما قصتك ؟ فقال : أنا رجل من الغزاة من العرب نزلت مكانك هذا ، فأشرفت / عليّ جارية كأحسن الناس فعشقتها فكلَّمتها ؛ فقالت : إن دخلت في ديني لم أخالفك ؛ فغلب عليّ الشيطان فدخلت في دينها ، فأنا كما ترى . فقلت :

--> [ 1 ] يلاحظ أن الذي تقدم بيت واحد . [ 2 ] الزوراء : اسم يطلق على أكثر من موضع . والظاهر أنه يريد بها هنا موضعا عند سوق المدينة يطلق عليه هذا الاسم لقرب هذا الموضع من المواضع المذكورة في البيت السابق .