أبي الفرج الأصفهاني

343

الأغاني

كيف أنت يا حماد وكيف حالك ؟ فقلت بخير يا أمير المؤمنين ؛ قال : أتدري فيم بعثت إليك ؟ قلت : لا ؛ قال : بعثت إليك لبيت خطر ببالي لم أدر من قاله ؛ قلت : وما هو ؟ فقال : فدعوا بالصّبوح يوما فجاءت قينة في يمينها إبريق قلت : هذا يقوله عديّ بن زيد في قصيدة له ؛ قال : فأنشدنيها ، فأنشدته : بكر العاذلون في وضح الصب ح يقولون لي ألا تستفيق ويلومون فيك يابنة عبد اللَّا ه والقلب عندكم موهوق [ 1 ] لست أدري إذ أكثروا العذل عندي أعدوّ يلومني أو صديق زانها حسنها وفرع عميم وأثيث صلت الجبين أنيق [ 2 ] وثنايا مفلَّجات عذاب لا قصار ترى ولا هنّ روق [ 3 ] فدعوا بالصّبوح يوما فجاءت قينة في يمينها إبريق / قدّمته على عقار كعين ال ديك صفّى سلافها الرّاووق [ 4 ] مرّة قبل مزجها فإذا ما مزجت لذّ طعمها من يذوق وطفت فوقها فقاقيع كالد رّ صغار يثيرها التّصفيق ثم كان المزاج ماء سماء غير ما آجن ولا مطروق قال : فطرب ، ثم قال : أحسنت واللَّه يا حمّاد ، يا جارية اسقيه ، فسقتني شربة ذهبت بثلث عقلي . وقال : أعد ، فأعدت ، فاستخفه الطرب حتى نزل عن فرشه ، ثم قال للجارية الأخرى : اسقيه ، فسقتني شربة ذهبت بثلث عقلي . فقلت : إن سقتني الثالثة افتضحت ، فقال : سل حوائجك ، فقلت : كائنة ما كانت ؟ قال : نعم ؛ قلت : إحدى الجاريتين ؛ فقال لي : هما جميعا لك بما عليهما وما لهما ، ثم قال للأولى : اسقيه ، فسقتني شربة سقطت معها ، فلم أعقل حتى أصبحت فإذا بالجاريتين عند رأسي ، وإذا عدّة من الخدم مع كل واحد منهم بدرة ، فقال لي أحدهم : أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول لك : خذ هذه فانتفع بها ، فأخذتها والجاريتين وانصرفت . هذا لفظ حمّاد عن أبيه . ولم يقل أحمد بن عبيد في خبره أنه سقاه شيئا ، ولكنّه ذكر أنه طرب لإنشاده ، ووهب له الجاريتين لمّا طلب إحداهما ، وأنزله في دار ، ثم نقله من غد إلى منزل أعدّه له ، فانتقل إليه فوجد فيه الجاريتين وما لهما وكلّ ما يحتاج إليه ، وأنه أقام عنده مدّة فوصل إليه مائة ألف درهم ، وهذا هو الصحيح ؛ لأن هشاما لم يكن يشرب ولا يسقي أحد بحضرته مسكرا ، وكان ينكر ذلك ويعيبه ويعاقب عليه . / في أبيات عديّ المذكورة في هذا الخبر غناء ، نسبته :

--> [ 1 ] الموهوق : المشدود بالوهق ، وهو الحبل المغار يرمى فيه أنشوطة فتؤخذ فيه الدابة والإنسان . [ 2 ] الفرع : الشعر . والأثيث : الكثير ، يطلق على الشعر وعلى البدن الممتلىء اللحم ، وهو المراد هنا . والصلت : الواضح . [ 3 ] روق : طوال . [ 4 ] الراووق : المصفاة وناجود الشراب الذي يروق فيه . والناجود : الوعاء .