أبي الفرج الأصفهاني
308
الأغاني
معتزلا بها ناحية في محمل وأطرح على المحمل من أعبية [ 1 ] الجمّالين ، وأجلس أنا وهي تحت ظلَّها ، فأخرج شيئا فنأكله ، ونضع ركوة [ 2 ] فيها [ 3 ] لنا شراب ، فنشرب ونتغنّى حتى نرحل . ولم نزل كذلك حتى قربنا من الشأم . فبينا أنا ذات يوم نازل وأنا ألقي عليها لحني : صوت لو ردّ ذو شفق حمام منيّة لرددت عن [ 4 ] عبد العزيز حماما صلَّى عليك اللَّه من مستودّع جاورت بوما [ 5 ] في القبور وهاما [ 6 ] / - الشعر لكثيّر [ 7 ] يرثي عبد العزيز بن مروان . وزعم بعض الرواة أن هذا الشعر ليس لكثيّر وأنه لعبد الصمد بن عليّ الهشاميّ يرثي ابنا له . والغناء لدحمان ، ولحنه من الثقيل الأوّل بالخنصر في مجرى البنصر - . قال : فرددته عليها حتى أخذته واندفعت تغنّيه ، فإذا أنا براكب قد طلع فسلم علينا فرددنا عليه السلام ؛ فقال : أتأذنون [ 8 ] لي أن أنزل تحت ظلَّكم هذا ساعة ؟ قلنا نعم ، فنزل ؛ وعرضت عليه طعامنا وشرابنا فأجاب ، فقدّمنا إليه السّفرة فأكل وشرب معنا ، واستعاد الصوت مرارا . ثم قال للجارية : أتغنّين لدحمان شيئا ؟ قالت نعم . قال : فغنّته أصواتا من صنعتي ، وغمزتها ألا تعرّفه أني دحمان ؛ فطرب وامتلأ سرورا وشرب أقداحا والجارية تغنّيه حتى قرب وقت الرحيل ؛ فأقبل عليّ وقال : أتبيعني هذه الجارية ؟ فقلت نعم ؛ قال : بكم ؟ قلت كالعابث : بعشرة آلاف دينار ؛ قال : قد أخذتها بها ، فهلمّ دواة وقرطاسا ، فجئته بذلك ؛ فكتب : « ادفع إلى حامل كتابي هذا حين تقرؤه عشرة آلاف دينار ، واستوص به خيرا وأعلمني بمكانه » وختم الكتاب ودفعه إليّ ؛ ثم قال : أتدفع إليّ الجارية أم تمضي بها معك حتى تقبض مالك ؟ فقلت : بل أدفعها إليك ؛ فحملها وقال : إذا جئت البخراء [ 9 ] فسل عن فلان وادفع كتابي هذا إليه واقبض منه مالك ؛ ثم انصرف بالجارية . قال : ومضيت ، فلما وردت البخراء سألت عن اسم الرجل ، فدللت عليه ، فإذا داره دار ملك ، فدخلت عليه ودفعت إليه الكتاب ، فقبّله ووضعه / على عينيه ، ودعا بعشرة آلاف دينار فدفعها إليّ ، وقال : هذا كتاب أمير المؤمنين ، وقال لي : اجلس حتى أعلم أمير المؤمنين بك ؛ فقلت له : حيث كنت فأنا عبدك وبين يديك ، وقد كان أمر لي بأنزال [ 10 ] وكان بخيلا ، فاغتنمت [ 11 ] ذلك فارتحلت ؛ وقد كنت أصبت بجملين ، وكانت عدّة أجمالي خمسة عشر فصارت ثلاثة عشر . قال : وسأل عنّي الوليد ، فلم يدر القهرمان أين يطلبني ؛ فقال
--> [ 1 ] الأعبية : جمع عباء وهو ضرب من الأكسية . [ 2 ] الركوة : إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء . [ 3 ] في ب ، س : « ركوة لنا فيها لنا شراب » . [ 4 ] في ب ، س : « من » . [ 5 ] في ب ، س و « تجريد الأغاني » : « رمسا » . [ 6 ] الهام : طير الليل وهو الصدى ، واحده هامة . [ 7 ] نسب هذا الشعر في « تجريد الأغاني » لإسماعيل بن يسار . [ 8 ] في ب : « أتأذنوا » . وفي س : « أتؤذنوا » ، وكلاهما تحريف . [ 9 ] البخراء : أرض وماءة على ميلين من القليعة في طرف الحجاز ، وبها قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك . وفي ب ، س : « النجراء » ( بنون بعدها جيم ) وهو تصحيف . [ 10 ] الأنزال : جمع نزل ( بضمتين وبضم فسكون ) وهو ما هيىء للضيف أن ينزل عليه . [ 11 ] في جميع الأصول : « فاغتم » ، ولا يستقيم بها الكلام .