أبي الفرج الأصفهاني
491
الأغاني
ذهبنا إلى هؤلاء فسمعنا غناءهم ! فأتيناهم ، فإذا ابن جامع وأصحاب له يغنّون وعندهم فضيخ [ 1 ] لهم يشربون منه ؛ فقالوا : تقدّموا يا فتيان ، فتقدّم ابن أبي عمرو فجلس مع القوم وكان رأسهم ، فجلسنا نشرب ؛ وطرب ابن أبي قباحة فغنّى . فقال ابن جامع : وابأبي وأمي ! ابن أبي قباحة وإلا فهو ابن الفاعلة . فقام ابن أبي عمرو فأخرج من وسطه هميانا [ 2 ] فيه ثلاثمائة درهم فنثرها على ابن أبي قباحة . فقال ابن جامع : امضوا بنا إلى المنزل ، فمضينا فأقمنا عنده شهرا ما نبرح ونحن على إحرامنا ذلك . غنت جاريته الحولاء صوتا له في جارية سوداء يحبها : قال هارون بن / محمد بن عبد الملك حدّثني عليّ بن سليمان عن محمد بن أحمد النّوفليّ عن جارية ابن جامع الحولاء قال : - وكانت تتبنّاني - فتغنّت يوما وطربت وقالت : يا بنيّ ، ألا أغنّيك هزجا لسيّدي في عشيقة له سوداء ؟ قلت : بلى . فتغنّت هزجا ما سمعت أحسن منه ، وهو : صوت أشبهك المسك وأشبهته قائمة في لونه قاعده لا شكّ إذ لو نكما واحد أنّكما من طينة واحده / وقد روي هذا الشعر لأبي حفص [ 3 ] الشّطرنجيّ يقوله في دنانير [ 4 ] مولاة البرامكة . ونسب هذا الهزج إلى إبراهيم وابن جامع وغيرهما . شبهه برصوما الزامر بزق عسل : قال عبد اللَّه بن عمرو حدّثنا أحمد بن عمر بن إسماعيل الزّهريّ قال حدّثني محمد بن جعفر بن عمر بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام - وكان يلقّب الأبله - قال : قال برصوما الزّامر ، وذكر إبراهيم الموصليّ وابن جامع ، فقال : الموصليّ بستان تجد فيه الحلو والحامض وطريّا لم ينضج ، فتأكل منه من ذا وذا . وابن جامع زقّ عسل ، إن فتحت فمه خرج عسل حلو ، وإن خرقت جنبه خرج عسل حلو ، وإن فتحت يده خرج عسل حلو ، كلَّه جيّد . غنى عند الرشيد وهو سكران فأخطأ : أخبرنا يحيى بن عليّ عن أبيه وحمّاد عن إبراهيم [ 5 ] بن المهديّ - وكان إبراهيم يفضّل ابن جامع ولا يقدّم عليه أحدا ، وابن جامع يميل إليه - قال : كنّا في مجلس الرشيد وقد غلب على ابن جامع النبيذ ، فغنّى صوتا فأخطأ في أقسامه ؛ فالتفت إليّ إبراهيم
--> [ 1 ] الفضيخ : عصير العنب ، وشراب يتخذ من بسر مفضوخ ( مطبوخ ) . [ 2 ] الهميان ( بالكسر ) : كيس تجعل فيه النفقة ويشدّ على الوسط . [ 3 ] هو أبو حفص عمر بن عبد العزيز مولى بني العباس . وكان أبوه من موالي المنصور فيما يقال ، وكان اسمه اسما أعجميا ، فلما نشأ أبو حفص وتأدب ، غيره وسماه عبد العزيز . وكان أبو حفص لاعبا بالشطرنج مشغوفا به ، فلقب به لغلبته عليه . ( انظر ترجمته ج 19 ص 69 من « الأغاني » طبع بولاق ) . [ 4 ] دنانير : مولاة يحيى بن خالد البرمكي . كانت صفراء مولدة وكانت من أحسن الناس وجها وأظرفهن وأكملهن وأحسنهن أدبا وأكثرهن رواية للغناء والشعر . ولها كتاب مجرّد في « الأغاني » مشهور . ( انظر ترجمتها ج 16 ص 136 من « الأغاني » طبع بولاق ) . [ 5 ] كذا في أكثر الأصول . وفي ح : « حماد بن إبراهيم بن المهدي . . . إلخ » ولم نعرف أن إبراهيم بن المهدي أعقب ولدا اسمه إبراهيم أو حماد . وقد ورد هذا السند في الجزء الخامس ( ص 173 من هذه الطبعة ) مختلفا عما هنا وهو : « أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى قال حدّثنا أبي عن طياب بن إبراهيم الموصلي قال . . . إلخ ) .