أبي الفرج الأصفهاني

386

الأغاني

10 - خبر الوقعة التي قيل فيها هذان الشعران وهي وقعة دولاب وشئ من أخبار هؤلاء الشراة وأنسابهم وخبر أم حكيم هذه وقعة دولاب وشئ من أخبار الشراة : هذان الشعران قيلا في وقعة دولاب ، وهي قرية من عمل الأهواز ، بينها وبين الأهواز نحو من أربعة فراسخ ، كانت بها حرب بين الإزارقة وبين مسلم بن عبيس بن كريز خليفة عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل بن عبد المطلب ، وذلك في أيام ابن الزبير . أخبرني بخبر هذه الحرب أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ عن عمر بن شبّة عن المدائني ، وأخبرني بها عبيد اللَّه بن محمد الرازي عن الخرّاز عن المدائنيّ ، وأخبرني الحسن بن عليّ عن أحمد بن زهير بن حرب عن خالد بن خداش : أن نافع بن الأزرق ، لمّا تفرقت آراء الخوارج ومذاهبهم في أصول مقالتهم أقام بسوق الأهواز وأعمالها لا يعترض الناس ، وقد كان متشكَّكا في ذلك . فقالت له امرأته : إن كنت قد كفرت بعد إيمانك وشككت فيه ، فدع نحلتك ودعوتك ، وإن كنت قد خرجت من الكفر إلى الإيمان فاقتل الكفّار حيث لقيتهم وأثخن في النساء والصبيان كما قال نوح : * ( لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ) * . فقبل قولها واستعرض [ 1 ] الناس وبسط سيفه ، فقتل الرجال والنساء والولدان ، وجعل يقول : إن هؤلاء إذا كبروا كانوا مثل آبائهم . وإذا وطيء بلدا فعل مثل هذا به إلى أن يجيبه أهله جميعا ويدخلوا ملَّته ، فيرفع السيف ويضع الجباية فيجبي الخراج . فعظم أمره واشتدّت شوكته وفشا عمّاله في السواد . فارتاع لذلك أهل البصرة ومشوا إلى الأحنف بن قيس فشكوا إليه أمرهم وقالوا له : ليس بيننا وبين القوم إلا ليلتان ، / وسيرتهم كما ترى ؛ فقال لهم الأحنف : إنّ سيرتهم في مصر كم إن ظفروا به مثل سيرتهم في سوادكم ، فخذوا في جهاد عدوّكم . وحرّضهم الأحنف ، فاجتمع إليه عشرة آلاف رجل في السلاح . فأتاه عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل ، وسأله أن يؤمّر عليهم أميرا ، فاختار لهم مسلم بن عبيس بن كريز بن ربيعة ، وكان فارسا شجاعا ديّنا ، فأمّره عليهم وشيّعه . فلما نفذ من جسر البصرة أقبل على الناس وقال : إني ما خرجت لامتيار ذهب ولا وفضة ، وإني لأحارب قوما إن ظفرت بهم فما وراءهم إلا سيوفهم ورماحهم . فمن كان من شأنه الجهاد فلينهض ، ومن أحبّ الحياة فليرجع . فرجع نفر يسير ومضى الباقون معه ؛ فلما صاروا بدولاب خرج إليهم نافع بن الأزرق ، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى تكسّرت الرماح وعقرت الخيل وكثرت الجراح والقتلى ، وتضاربوا بالسيوف والعمد ؛ فقتل في المعركة ابن عبيس وهو على أهل البصرة ، وذلك في جمادى الآخرة سنة خمس وستين ، وقتل نافع بن الأزرق يومئذ أيضا ؛ فعجب الناس من ذلك ، وأنّ الفريقين تصابروا حتى قتل منهم خلق كثير ، وقتل رئيسا العسكرين ،

--> [ 1 ] استعرض الناس : قتلهم ولم يبال من قتل مسلما أو كافرا من أي وجه أمكنه .