أبي الفرج الأصفهاني
76
الأغاني
نعمت فيه ومالك بن أبي السمح الكريم الأخلاق والشّيم / - غنّاه مالك في الأوّل والثاني والثالث رملا بالبنصر في مجراها - فيقال : إن مالكا قال له : لا واللَّه ولا إن غويت أيضا أعصيك ؛ ذكر ذلك الزبير عن عمّه مصعب . ويقال : إنه قال هذه المقالة للوليد بن يزيد ، فسرّ بذلك وأجزل صلته . غنى الوليد فلم يطربه ثم غناه ثانيا فأطربه : أخبرني الحسين بن يحيى قال نسخت من كتاب حمّاد قال حدّثني أبي قال قال ابن الكلبيّ : قال الوليد بن يزيد لمعبد قد آذتني ولولتك [ 1 ] هذه ، وقال لابن عائشة : قد آذاني استهلالك هذا ، فانظرا لي رجلا يكون مذهبه متوسّطا بين مذهبيكما ؛ فقالا له : مالك بن أبي السّمح ؛ فكتب في إشخاصه إليه وسائر مغنّي الحجاز المذكورين ؛ فلمّا قدم مالك على الوليد بن يزيد فيمن معه من المغنّين نزل على الغمر بن يزيد ، فأدخله على الوليد فغنّاه فلم يعجبه ؛ فلما انصرف الغمر قال له : إن أمير المؤمنين لم يعجبه شيء من غنائك ؛ فقال له : جعلني اللَّه فداك ! اطلب لي الإذن عليه مرّة واحدة ، فإن أعجبه شيء مما أغنّيه وإلا انصرفت إلى بلادي . فلما جلس الوليد في مجلس اللهو ذكره الغمر وطلب له الإذن ، وقال له : إنه هابك فحصر ؛ قال : فأذن له ، فبعث إليه ؛ فأمر مالك الغلام فسقاه ثلاث صراحيّات [ 2 ] صرفا ؛ فخرج حتى دخل عليه يخطر في مشيته . وقال غير ابن الكلبيّ : إنه قال / لفرّاش للوليد : اسقني عسّا [ 3 ] من شراب ولك دينار ، فسقاه إيّاه وأعطاه الدينار ؛ ثم قال له : زدني آخر فأزيدك / آخر ، ففعل حتى شرب ثلاثة ، ثم دخل على الوليد يخطر في مشيته ؛ فلما بلغ باب المجلس وقف ولم يسلم ، وأخذ بحلقة الباب فقعقعها ، ثم رفع صوته فغنّى : لا عيش إلا بمالك بن أبي السمح فلا تلحني ولا تلم فطرب الوليد ، ورفع يديه ، حتى بدا إبطاه إليه مادّا لهما ، وقام فاعتنقه قائما ، وقال له : اذن يا بن أخي ، فدنا حتى اعتنقه ؛ ثم أخذ في صوته ذلك ، فلم يزالوا فيه أياما ، وأجزل صلته حين أراد الانصراف . قال : ولما أتى مالك على قوله : أبيض كالسيف أو كما يلمع ال بارق في حالك من الظَّلم قال له الوليد : أحول كالقرد أو كما يرقب السارق في حالك من الظَّلم كان يأخذ أغاني غيره ويغيرها ، ورأى إسحاق في ذلك : وكان مالك طويلا [ 4 ] أجنى فيه حول . وقد قال قوم : إنّ مالكا لم يصنع لحنا قطَّ غير هذا - أعني : « لا عيش إلَّا
--> [ 1 ] في ح : « وأوأتك » . والوأوأة : صياح ابن آوى ، وقيل : ليست خاصة به . [ 2 ] صراحيات : جمع صراحية وهي إناء من آنية الخمر ولا يعرف أصلها . وقيل عربية صحيحة استعملها الفرس والروم لزجاجة معروفة يوضع فيها الشراب . ( راجع « القاموس » و « شرحه » و « اللسان » مادة صرح ، و « المخصص » ج 11 ص 58 ، و « شفاء الغليل » ص 144 ) . [ 3 ] العس : القدح الضخم يروي الثلاثة والأربعة . وجمعه : عسسة . [ 4 ] كذا في أكثر الأصول ، والأجنى ( بالقصر ) لغة في الأجنأ ( بالهمز ) وهو الذي أشرف كاهله على صدره . وفي م : « أحنى » ( بالحاء المهملة ) والأحنى : الأحدب .