أبي الفرج الأصفهاني
71
الأغاني
السّهميين ؛ فلما تزوّج حسين عابدة [ 1 ] بنت شعيب السّهميّة خاصمهم بسببها ؛ وكان جدّ مالك معه وعونا له مع من عاونه ، فنشبت بذلك حال بينه وبين بني هاشم ، حتى ولد مالك في دورهم ، فصارت دعوته فيهم . أدرك الدولة العباسية وقدم على سليمان بن علي فأجازه : أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حمّاد : قرأت على أبي : وعمّر مالك حتى أدرك دولة بني العباس ، وقدم على سليمان بن عليّ بالبصرة ، فمتّ إليه بخؤولته في قريش ، ودعوته لبني هاشم ، وانقطاعه إلى ابن جعفر ، فعجّل له سليمان صلته وكساه وكتب له بأوساق [ 2 ] من تمر . ملازمته في أول أمره باب حمزة بن الزبير وأخذه الغناء عن معبد : أخبرني جعفر بن قدامة قال حدّثني ميمون بن هارون قال حدّثني القاسم بن يوسف قال أخبرني الوردانيّ قال : كان مالك بن أبي السّمح المغنّي من طيء ، فأصابتهم حطمة [ 3 ] في بلادهم بالجبلين ، فقدمت به أمه وبإخوة له وأخوات أيتام لا شيء لهم ؛ فكان يسأل الناس على باب / حمزة بن عبد اللَّه بن الزّبير ، وكان معبد منقطعا إلى حمزة يكون عنده في كل يوم يغنّيه ؛ فسمع مالك غناءه فأعجبه واشتهاه ، فكان لا يفارق باب حمزة يسمع غناء معبد إلى الليل ، فلا يطوف بالمدينة ولا يطلب من أحد شيئا ولا يريم موضعه ، فينصرف إلى أمه ولم يكتسب شيئا ، فتضربه ، وهو مع ذلك يترنّم بألحان معبد ويؤدّيها دورا دورا في مواضع صيحاته وإسجاحاته ونبراته [ 4 ] نغما بغير لفظ ولا رواية شيء من الشعر ؛ وجعل حمزة كلَّما غدا وراح رآه ملازما لبابه ؛ فقال لغلامه يوما : أدخل هذا الغلام الأعرابيّ إليّ ؛ فأدخله ؛ فقال له : من أنت ؟ فقال : / أنا غلام من طيء أصابتنا حطمة بالجبلين فحطَّتنا إليكم ومعي أمّ لي وإخوة ، وإني لزمت بابك فسمعت من دارك صوتا أعجبني ، فلزمت بابك من أجله ؛ قال : فهل تعرف منه شيئا ؟ قال : أعرف لحنه كلَّه ولا أعرف الشعر ؛ فقال : إن كنت صادقا إنك [ 5 ] لفهم . ودعا بمعبد فأمره أن يغنّي صوتا فغنّاه ، ثم قال لمالك : هل تستطيع أن تقوله ؟ قال نعم ؛ قال : هاته ؛ فاندفع فغنّاه فأدّى نغمه بغير شعر ، يؤدّي مدّاته وليّاته وعطفاته ونبراته وتعليقاته لا يخرم حرفا ؛ فقال لمعبد : خذ هذا الغلام إليك وخرّجه ، فليكوننّ له شأن ؛ قال معبد : ولم أفعل ذلك ؟ قال : لتكون محاسنه منسوبة إليك ، وإلَّا عدل إلى غيرك فكانت محاسنه منسوبة إليه ؛ فقال : غير الذي أنت له مستحقّ من الباطل أكنت ترضى بذلك ؟ قال لا ؛ قال : وكذلك لا يسرّك أن تحمد بما لم تفعل ؛ قال نعم ؛ قال : فو اللَّه ما شبعت على / بابك شبعة قطَّ ولا انقلبت منه إلى أهلي بخير ؛ فأمر له ولأمّه ولإخوته بمنزل ، وأجرى لهم رزقا وكسوة ، وأمر لهم بخادم يخدمهم وعبد يسقيهم الماء ، وأجلس مالكا معه في مجالسه ، وأمر معبدا
--> [ 1 ] كذا في ط ، ء وفيما سيأتي في أكثر الأصول . وفي سائر الأصول هنا : « عائدة » . [ 2 ] الأوساق : جمع وسق ( بالفتح ) وهو ثلاثمائة وعشرون رطلا عند أهل الحجاز وأربعمائة وثمانون رطلا عند أهل العراق على اختلافهم في مقدار الصاع والمدّ . [ 3 ] الحطمة : السنة والجدب . والمراد بالجبلين أجأ وسلمى لأنهما جبلا طيء ( انظر « معجم ياقوت » في الكلام عليهما ) . [ 4 ] قال في « اللسان » ( مادّة نبر ) : « ونبرة المغني : رفع صوته عن خفض » . [ 5 ] لعله جواب لما قبله على تقدير القسم ، أي على تقدير : لئن كنت . . . إلخ ، ولو كان جوابا للشرط من غير تقدير القسم لوجب اقترانه بفاء الجزاء .