أبي الفرج الأصفهاني
54
الأغاني
فأقمت عندهم حتى أسحرت [ 1 ] ، ثم نهضت ومعي العبد حتى قدمت المدينة ، فجئت عبد اللَّه بن جعفر بن أبي طالب عند المساء وهو يعشّي أصحابه ، فجلست معهم وجعلت أتعاجم وأقول : يار يار [ 2 ] / ابن طيّار [ 3 ] ؛ فلما خرج أصحابه كشفت له عن وجهي ، فقال : ابن قيس ؟ فقلت : ابن قيس ، جئتك عائذا بك ؛ قال : ويحك ! ما أجدّهم في طلبك وأحرصهم على الظَّفر بك ! ولكني سأكتب إلى أمّ البنين بنت عبد العزيز بن مروان فهي زوجة الوليد بن عبد الملك ، وعبد الملك أرقّ شيء عليها . فكتب إليها يسألها أن تشفع له إلى عمّها ، وكتب إلى أبيها يسأله أن يكتب إليها كتابا يسألها الشفاعة ؛ فدخل عليها عبد الملك كما كان يفعل وسألها ؛ هل من حاجة ؟ فقالت : نعم لي حاجة ، فقال : قد قضيت كل حاجة لك إلا ابن قيس الرقيّات ؛ فقالت : لا تستثن عليّ شيئا ! فنفح [ 4 ] بيده فأصاب خدّها ، فوضعت يدها على خدّها ؛ فقال لها : يا بنتي ارفعي يدك ، فقد قضيت كلّ حاجة لك وإن كانت ابن قيس الرقيّات ؛ فقالت : إنّ حاجتي ابن قيس الرقيات تؤمّنه ، فقد كتب إليّ أبي يسألني أن أسألك ذلك ؛ قال : فهو آمن ، فمريه يحضر مجلسي العشيّة ؛ فحضر / ابن قيس وحضر الناس حين بلغهم مجلس عبد الملك ، فأخّر الإذن ، ثم أذن للناس ، وأخّر إذن ابن قيس الرقيّات حتى أخذوا مجالسهم ، ثم أذن له ؛ فلما دخل عليه قال عبد الملك : يأهل الشأم ، أتعرفون هذا ؟ قالوا : لا ؛ فقال : هذا عبيد اللَّه بن قيس الرقيّات الذي يقول : كيف نومي على [ 5 ] الفراش ولمّا تشمل الشأم غارة شعواء تذهل الشيخ عن بنيه وتبدي عن خدام [ 6 ] العقيلة العذراء مدح عبد الملك بما لم يرضه فأمنه وقطع عطاءه فتعهد له به ابن جعفر طول حياته : فقالوا : يا أمير المؤمنين اسقنا دم هذا المنافق ! قال : الآن وقد أمّنته وصار في منزلي وعلى بساطي ! قد أخّرت الإذن له لتقتلوه فلم تفعلوا . فاستأذنه ابن قيس الرقيّات أن ينشده مديحه فأذن له ، فأنشده قصيدته التي يقول فيها : عاد له من كثيرة الطرب فعينه بالدموع تنسكب [ 7 ] كوفيّة نازح محلَّتها لا أمم دارها ولا صقب واللَّه ما إن صبت إليّ ولا إن كان بيني وبينها سبب [ 8 ]
--> [ 1 ] أسحر : دخل في السحر . [ 2 ] يار : كلمة فارسية ، ومعناها : الصاحب والشفيق والمعين . [ 3 ] الطيار : لقب جعفر بن أبي طالب والد عبد اللَّه هذا ، وكان قد قطعت يداه في غزوة مؤتة فأثابه اللَّه بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء . ( انظر « سيرة ابن هشام » ج 2 ص 795 طبع أوروبا ) . [ 4 ] نفح بيده : ضرب بها ضربة خفيفة . [ 5 ] كذا في ط ، ء ، م وكذلك صححها المرحوم الأستاذ الشنقيطي في نسخته وهي « الرواية المشهورة » . وفي ب ، س ، ح : « إلى » . [ 6 ] الخدام : جمع خدمة ( بالتحريك ) وهي الخلخال . وقد أورد صاحب « اللسان » هذين البيتين في مادة خدم ثم قال : « أراد وتبدى عن خدام العقيلة . وخدام ها هنا في نية عن خدامها ، وعدّي تبدي بعن لأن فيه معنى تكشف كقوله : تصدّ وتبدي عن أسيل وتتقي أي تكشف عن أسيل أو تسفر عن أسيل « . [ 7 ] سيشرح أبو الفرج بعض هذا الشعر فيما يأتي . [ 8 ] في ديوانه المخطوط : واللَّه ما إن صبت إليّ ولا يعلم بيني وبينها سبب