أبي الفرج الأصفهاني

271

الأغاني

قال : فأنشدت الزّبير بن بكَّار هذين البيتين ، فقال : لو لم أنصرف من العراق إلا بهما لرأيتهما غنما . وأنشدني شدّاد لجميل أيضا : بثين سليني بعض مالي فإنما يبيّن عند المال كلّ بخيل / فإني وتكراري الزيارة نحوكم لبين يدي هجر بثين طويل قال أبي : فقلت لشدّاد : فهلا أزيدك فيهما [ 1 ] ؟ فقال : بلى ؛ فقلت : فيا ليت شعري هل تقولين بعدنا إذا نحن أزمعنا غدا لرحيل ألا ليت أياما مضين رواجع وليت النّوى قد ساعدت بجميل / فقال شدّاد : أحسنت واللَّه ! وإن هذا الشعر لضائع ؛ فقلت : وكيف ذلك ؟ قال : نفيته عن نفسك بتسميتك جميلا فيه ، ولم يلحق بجميل ، فضاع بينكما جميعا . اجتمع هو وجماعة من المغنين عند إسحاق المصعبي : حدّثني جحظة قال حدّثني عليّ بن يحيى المنجّم قال حدّثني إسحاق الموصليّ قال : دعاني إسحاق بن إبراهيم المصعبيّ ، وكان عبد اللَّه بن طاهر عنده يومئذ ، فوجّه إليّ فحضرت وحضر علَّويه ومخارق وغيرهما من المغنّين ؛ فبيناهم على شرابهم وهم أسرّ ما كانوا ، إذ وافاه رسول أمير المؤمنين فقال : أجب ؛ فقال : السمع والطاعة ؛ ودعا بثيابه فلبسها . ثم التفت إلى محمد بن راشد الخنّاق فقال له : قد بلغني أنّك أحفظ الناس لما يدور في المجالس ، فاحفظ لي كلّ صوت يمرّ وما يشربه كلّ إنسان ، حتى إذا عدت أعدت عليّ الأصوات وشربت ما فاتني ؛ فقال : نعم ، أصلح اللَّه الأمير . ومضى إلى المأمون ، فأمره بالشخوص إلى بابك [ 2 ] من غد ، وتقدّم إليه فيما يحتاج إليه ورجع من عنده . فلمّا دخل ووضع ثيابه قال : يا محمد ، ما صنعت فيما تقدّمت به إليك ؟ قال : قد أحكمته أعزّك اللَّه ؛ ثم أخبره بما شرب القوم وما استحسنوه من الغناء بعده ؛ فأمر أن يجمع له أكثر ما شربه واحد منهم في قدح ، وأن يعاد عليه صوت صوت مما حفظه له حتى يستوفي ما فاته القوم به ، ففعل ذلك وشرب حتى استوفى النبيذ والأصوات . ثم قال لي : يا أبا محمد ، إني قد عملت في منصرفي من عند أمير المؤمنين أبياتا فاسمعها ؛ فقلت : هاتها أعزّ اللَّه الأمير ؛ فأنشدني : صوت ألا من لقلب مسلم للنوائب أحاطت به الأحزان من كلّ جانب تبيّن يوم البين أنّ اعتزامه على الصبر من بعض الظنون الكواذب صوت حرام على رامي فؤادي بسهمه دم صبّه بين الحشى والترائب

--> [ 1 ] كذا في ح . وفي سائر الأصول : « فيها » ، وهو تحريف . [ 2 ] هو بابك الخرّمي ، وكان قد خرج على دولة بني العباس ، وظهر بأذربيجان وكثر بها أتباعه واستباحوا المحرمات وقتلوا الكثير من المسلمين ، ثم أخذ في أيام المعتصم هو وأخوه إسحاق وصلبا .