أبي الفرج الأصفهاني
259
الأغاني
لم تر عيني مثله غديرا يجري حباب مائه مسجورا [ 1 ] على حصى تحسبه كافورا تسمع للماء به خريرا ينسج أعلى متنه سطورا نسيم ريح قد ونت فتورا حتى تخال متنه حصيرا والشّرب قد حفّوا به حضورا وأمروا الساقي أن يديرا كأسهم الأصغر والكبيرا وأعملوا البمّ معا والزّيرا وجاوبت عيدانهم زميرا وقرّبوا المغنّي النّحريرا مقدّما في حذقه مشهورا فهم يطيرون به سرورا ولا ترى في شربهم تقصيرا ولا لصفو عيشهم تكديرا ولا لخلق منهم نظيرا إلَّا رجيلا منهم سكَّيرا معربدا موضّحا شرّيرا مدّعيا للعلم مستعيرا يروم سعيا كاذبا مغرورا وأن يكون عالما بصيرا مفضّلا بعلمه مذكورا غمزته ولم يكن صبورا فعاذ منّي هاربا مذعورا / بمعسر تحسبهم حميرا أشدّ منهم حمقا كثيرا لا ينطقون الدهر إلا زورا حتّى إذا كسّرته تكسيرا كالليث لمّا ضغم [ 2 ] الخنزيرا ولَّي انهزاما خاسئا مدحورا معترفا بذلَّه مقهورا وكنت قدما ضيغما هصورا معتليا لقرنه عقورا وما أخاف الزمن العثورا إذ كنت بالواثق مستجيرا قد عزّ من كان له نصيرا إمام عدل دبّر الأمورا برأيه ولم يرد مشيرا ترى من الحقّ عليه نورا تقبّل [ 3 ] المهديّ والمنصورا وجدّه الأدنى تقّى وخيرا ورّثه المعتصم التدبيرا فأصبح الملك به منيرا وأصبح العدل به منشورا قد أمن الناس به المحظورا إذا علا المنبر والسريرا رأيت بدرا طالعا منيرا بحرا ترى الغنيّ والفقيرا
--> [ 1 ] المسجور : المنظوم المسترسل . [ 2 ] ضغمه : عضه ملء فيه . [ 3 ] تقبل الرجل أباه : أشبهه .