أبي الفرج الأصفهاني

241

الأغاني

لإسحاق : ويلك ! قد صرت تسرق الغناء وتدّعيه ، اسمع هذا الصوت ؛ فسمعه فقال : هذا وحياتك لحني ، وقد وقع عليّ فيه نقب من لصّ حاذق ، وأنا أغوص عليه حتّى أعرفه ؛ ثم بكَّر إلى عبد اللَّه بن طاهر فقال : أهذا حقّي وحرمتي وخدمتي ! تأخذ لميس لحني في : أماويّ أنّ المال غاد ورائح فتغنّيه في : « وهبّت شمال » ! وليس بي ذلك ، ولكن بي أنّها فضحتني عند الخليفة وادّعت أنها أخذته من بعض عجائز المدينة ؛ فضحك عبد اللَّه وقال : لو كنت تكثر عندنا كما كنت تفعل لم تقدم عليك لميس ولا غيرها ؛ فاعتذر فقبل عذره ، وقال له : أيّ شيء تريد ؟ قال : أريد أن تكذّب نفسها عند من ألقته عليها حتى / يعلم الخليفة بذلك ؛ قال : أفعل ؛ ومضى إسحاق إلى المأمون وأخبره القصّة ؛ فاستكشفها من لميس حتى وقف عليها ، وجعل يعبث بإسحاق بذلك مدّة . غنى محمدا الأمين في شعر له فيه فأجازه : حدّثني جحظة قال حدّثني عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن طاهر قال / حدّثتني شهوات [ 1 ] الصّنّاجة التي كان إسحاق أهداها إلى الواثق : أن محمدا الأمين لمّا غنّاه إسحاق لحنه الذي صنعه في شعره وهو الثقيل الأوّل : صوت يأيّها القائم الأمين فدت نفسك نفسي بالمال والولد بسطت للنّاس إذ وليتهم يدا من الجود فوق كلّ يد فأمر له بألف ألف درهم ؛ فرأيتها قد وصلت إلى داره يحملها مائة فرّاش . سأله الواثق ، وهو يغنيه شعرا ، عن أحسن ما فيه أعجب بجوابه وأجازه : حدّثني جحظة ومحمد بن خلف بن المرزبان قالا حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال : غنّيت الواثق : صوت عفا طرف القريّة فالكثيب إلى ملحاء ليس بها عريب [ 2 ] تأبّد رسمها وجرى عليها سوافي الريح والتّرب الغريب - ولحنه ثقيل ثان - قال : فقال لي : يا إسحاق ، قد أحسن ابن هرمة في البيتين ، فأيّ شيء هو أحسن فيهما من جميعهما ؟ قال قلت : قوله : « الترب الغريب » ، يريد أنّ الريح جاءت إلى الأرض بتراب ليس منها فهو غريب جاءت به من موضع بعيد ؛ فقال : صدقت وأحسنت ؛ وأمر لي بخمسين ألف درهم .

--> [ 1 ] في « مختار الأغاني » ( ص 159 ) : « شهوار » بالراء المهملة . [ 2 ] تقدّم هذا الشعر في ص 214 من هذا الجزء مع التعليقات عليه فراجعه .