أبي الفرج الأصفهاني
238
الأغاني
لحنا في صوتك في إيقاعه وطريقته ، وأمر من وراء السّتارة [ 1 ] فغنّوه ؛ فقلت : قد واللَّه يا أمير المؤمنين بغّضت إليّ لحني وسمّجته عندي ؛ وقد كنت استأذنته في الانحدار إلى بغداد فلم يأذن لي ؛ فلمّا صنع هذا اللَّحن وقلت له ما قلت ، أتبعته بأن قلت له : قد واللَّه يا أمير المؤمنين اقتصصت منّي في « لقد / بخلت » وزدت ؛ فأذن لي بعد ذلك . نسبة هذا الصوت صوت خليليّ عوجا من صدور الرّواحل بجرعاء [ 2 ] حزوى فابكيا في المنازل لعلّ انحدار الدّمع يعقب راحة من الوجد أو يشفي نجيّ البلابل [ 3 ] الشعر لذي الرّمّة ، والغناء لإسحاق رمل بالوسطى في البيتين . وللواثق في البيت الثاني وحده رمل بالبنصر . تأسى ابن عياش بشعر ذي الرمة في البكاء عند المصائب : أخبرني أحمد بن عمّار قال حدّثني يعقوب بن نعيم قال حدّثني كثير بن أبي جعفر الحزاميّ [ 4 ] الكوفيّ عن أحمد بن جوّاس الحنفيّ عن أبي بكر بن عيّاش قال : كنت إذا أصابتني المصيبة تصبّرت وأمسكت عن البكاء ، فأجد ذلك يشتدّ عليّ ، حتّى مررت ذات يوم بالكناسة [ 5 ] ، فإذا أنا بأعرابيّ واقف على ناقة له وهو ينشد : خليليّ عوجا من صدور الرّواحل بجرعاء حزوى فابكيا في المنازل لعلّ انحدار الدّمع يعقب راحة من الوجد أو يشفي نجيّ البلابل فسألت عنه فقيل لي : هذا ذو الرّمّة ؛ فكنت بعد إذا أصابتني مصيبة بكيت فأجد لذلك راحة ؛ فقلت : قاتل اللَّه الأعرابيّ ! ما كان أعلمه وأفصح لهجته ! . سئل أيهما أجود لحنك أم لحن الواثق فأجاب : أخبرنا يحيى بن عليّ عن أبيه قال : قلت لإسحاق : أيّما أجود ، لحنك في « خليليّ عوجا » أم [ 6 ] لحن الواثق ؟ فقال : لحني أجود قسمة وأكثر عملا ، ولحنه أطرب ، لأنه جعل ردّته من نفس قسمته ، وليس يقدر على أدائه إلَّا متمكن من نفسه . قال عليّ بن
--> [ 1 ] راجع أحوال خلفاء بني أمية والدولة العباسية في الشرب واللهو واحتجابهم عن الندماء والمغنين بالستارة في كتاب « التاج في أخلاق الملوك » للجاحظ ( ص 31 - 45 طبع المطبعة الأميرية ) . [ 2 ] الجرعاء : الأرض ذات الحزونة تشاكل الرمل ، وقيل : هي الرملة السهلة المستوية . وحزوى ( بضم أوله وسكون ثانيه مقصورا ) : موضع بنجد في ديار تميم ، وقال الأزهري : جبل من جبال الدهناء . وفي « ديوانه » طبع أوروبا و « معجم ياقوت » : « جمهور حزوي » . والجمهور : الرملة العظيمة المشرفة على ما حولها . [ 3 ] البلابل : الهموم في الصدور . [ 4 ] في ج : « الحرامي » بالراء المهملة . [ 5 ] الكناسة ( بضم الكاف ) : محلة بالكوفة . [ 6 ] في الأصول : « أو » ، والسياق يقتضي « أم » .