أبي الفرج الأصفهاني

232

الأغاني

شوّش عودا في مجلس المعتصم وتحدّى ابن المهدي أن يضرب به ثم أظهر هو براعة فائقة : حدّثني عميّ قال حدّثني عبد اللَّه بن أبي سعد قال حدّثني محمد بن مروان قال قال لي يحيى بن معاذ : كان إسحاق الموصليّ وإبراهيم بن المهديّ إذا خلوا فهما أخوان ، وإذا التقيا عند خليفة تكاشحا أقبح تكاشح ؛ فاجتمعا يوما عند المعتصم ؛ فقال لإسحاق : يا إسحاق ، أن إبراهيم يثلبك ويغضّ منك ويقول : إنك تقول : إنّ مخارقا لا يحسن شيئا / ويتضاحك منك ؛ فقال إسحاق : لم أقل يا أمير المؤمنين : إن مخارقا لا يحسن شيئا ، وكيف أقول ذلك وهو تلميذ أبي وتخريجه وتخريجي ! ولكن قلت : إنّ مخارقا يملك من صوته ما لا يملكه أحد ، فيتزايد فيه تزايدا لا يبقي عليه ويتغيّر في كل حال ، فهو أحلى الناس مسموعا وأقلَّه نفعا لمن يأخذ عنه ، لقلَّة ثباته على شيء واحد . ولكنّي أفعل الساعة فعلا إن زعم إبراهيم أنه يحسنه فلست أحسن شيئا ، وإلَّا فلا ينبغي له أن يدّعي ما ليس يحسنه . ثم أخذ عودا فشوّش أوتاره ، ثم قال لإبراهيم : غنّ على هذا أو يغنّي غيرك وتضرب عليه ؛ فقال المعتصم : يا إبراهيم ، قد سمعت ، فما عندك ؟ قال : ليفعله هو إن كان صادقا ؛ فقال له إسحاق : غنّ حتى أضرب عليك فأبى ؛ فقال لزرزور : غنّ فغنّى وإسحاق يضرب عليه حتى فرغ من الصوت ما علم أحد أنّ / العود مشوّش . ثم قال : هاتوا عودا آخر ؛ فشوّشه وجعل كلّ وتر منه في الشدّة واللين على مقدار العود المشوّش الأوّل حتى استوفى ؛ ثم قال لزرزور : خذ أحدهما فأخذه ، ثم قال : انظر إلى يدي واعمل كما أعمل واضرب ففعل ؛ وجعل إسحاق يغنّي ويضرب وزرزور ينظر إليه ويفعل كما يفعل ؛ فما ظنّ أحد أن في العود [ ين ] [ 1 ] شيئا من الفساد لصحة نغمهما جميعا إلى أن فرغ من الصوت . ثم قال لإبراهيم : خذ الآن أحد العودين ، فاضرب به مبدأ أو عمود طريقة أو كيف شئت إن كنت تحسن شيئا ؛ فلم يفعل وانكسر انكسارا شديدا ؛ فقال له المعتصم : أرأيت مثل هذا قطَّ ؟ قال : لا ، واللَّه ما رأيت ولا ظننت أنّ مثله يكون . أعجبه يوم فتمثل فيه بشعر : حدّثني أبو عبد اللَّه محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثني عمّي الفضل قال : / دعاني إسحاق يوما ، فمضيت إليه وعنده الزّبير بن دحمان وعلَّويه وحسين بن الضحّاك ، فمرّ لنا أحسن يوم ؛ فالتفت إليّ إسحاق ثم قال : يومنا هذا واللَّه يا أبا العبّاس كما قال الشاعر : أنت واللَّه من الأي أم لدن الطَّرفين كلَّما قلَّبت عينيّ ففي قرّة عين غنى الواثق فشرب وخلع عليه : أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال : دخلت يوما على الواثق فقال لي : يا إسحاق ، إني أصبحت اليوم قرما [ 2 ] إلى غنائك فغنّني ؛ فغنّيته : من الظباء ظباء همّها السّخب [ 3 ] ترعى القلوب وفي قلبي لها عشب

--> [ 1 ] زيادة يقتضيها السياق . [ 2 ] القرم ( بالتحريك ) في الأصل : شدة الشهوة إلى اللحم ، ثم كثر حتى قالوا : قرمت إلى لقائك . [ 3 ] كذا في ح ، وفيما سيأتي في أكثر الأصول . والسخب ( بضمتين ) : جمع سخاب ( ككتاب ) وهي قلادة تتخذ من قرنفل وغيره ؛ وقال