أبي الفرج الأصفهاني

213

الأغاني

/ أقم يا أبا العوّام ويحك نشرب ونله مع اللَّاهين يوما ونطرب إذا ما رأيت اليوم قد جاء خيره فخذه بشكر واترك الفضل يغضب فقلت : إني لا آمن غضبه ، وأنا بين يديك ؛ فقال لي : أنت تعلم أن صبوح الفضل أبدا في وقت غبوق الناس ، فأقم وارفق بنفسك ثم امض إليه ؛ فأجبته إلى ذلك ؛ فلمّا شربنا طاب لي الموضع ، فأقمت حتى سكرت . وذكر باقي الخبر نحوا مما ذكر إسحاق . انتهى . كان المغنون يجتهدون ويطمعون في غلبة فإذا غنى هو بذهم : حدّثني جحظة قال حدّثني محمد بن المكَّيّ المرتجل قال : قلت لزرزور الكبير : كيف كان إسحاق ينفق على الخلفاء معكم وأنت وإبراهيم بن المهديّ ومخارق أطيب أصواتا وأحسن نغمة ؟ قال : كنّا واللَّه يا بنيّ نحضر معه فنجتهد في الغناء ونقيم الوهج [ 2 ] فيه ويقبل علينا الخلفاء ، حتى نطمع فيه ونظنّ أنا قد غلبناه ، فإذا غنّى عمل في غنائه أشياء من مداراته [ 3 ] وحذقه ولطفه حتى يسقطنا كلَّنا ويقبل عليه الخليفة دوننا ويجيزه دوننا ويصغى إليه ، ونرى أنفسنا اضطرارا دونه . هو أوّل من أحدث التخنيث في الغناء ليوافق صوته : حدّثنا جحظة قال حدّثني محمد بن أحمد المكَّيّ قال حدّثني أبي قال : كان المغنّون يجتمعون مع إسحاق وكلَّهم أحسن صوتا منه ، ولم يكن فيه عيب إلا صوته فيطمعون فيه ؛ فلا يزال بلطفه وحذقه ومعرفته حتى يغلبهم ويبذّهم [ 4 ] جميعا ويفضلهم ويتقدّمهم . قال : وهو أوّل من أحدث التخنيث ليوافق صوته ويشاكله ، / فجاء معه عجبا من العجب ؛ وكان في حلقه نبوّ عن الوتر . أخبرني يحيى بن عليّ قال أخبرنا أبو العبيس [ 5 ] بن حمدون : أنّ إسحاق أوّل من جاء بالتخنيث في الغناء ولم يكن يعرف ، وإنما احتال بحذقه لمنافرة حلقه الوتر ، حتى صار يجيبه ببعض التخنيث فيكون أحسن له في السمع . كان المغنون يتهاونون في غيبته فإذا حضر جدّوا : أخبرنا جحظة قال حدّثني الهشاميّ عن أبيه قال : كان المغنّون إذا حضروا / وليس إسحاق معهم غنّوا هوينى وهم غير مفكرين ؛ فإذا حضر إسحاق لم يكن إلَّا الجدّ . قصته مع جعفر بن يحيى ونافذ حاجبه : أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثني إسحاق الموصليّ قال :

--> [ 1 ] نفق الشيء : راج ورغب فيه . ولعله هنا مضمن معنى « يغلب » لكي تصح تعديته ب « على » . [ 2 ] كذا في أكثر الأصول . والوهج : التوقد ، ولعله هنا كناية عن اضطرام الأمر وحدته فيما هم فيه من شأن الغناء . وفي ح : « الرهج » بالراء ، وهو الغبار أو ما أثير منه . [ 3 ] داريت الظبي مداراة : احتلت له وختلته حتى أصيده . ولعله يريد أن إسحاق يحتال للأنغام حتى يؤلف بينها ويأتي في ذلك بما يعجز عنه غيره . [ 4 ] كذا في ح . وفي سائر الأصول : « وينبذهم » . [ 5 ] في ب ، س ، ح : « أبو العنبس » بالنون والباء الموحدة . ( انظر الحاشية رقم 4 ص 96 ج 1 « أغاني » من هذه الطبعة ) .