أبي الفرج الأصفهاني

194

الأغاني

لك الملك فلم تؤثره ، أفتراني أمنعك الخدمة ! فكنّا نخدمه بنوبة . كان في مجلس الواثق مع الندماء لا المغنين فإذا أمره الواثق بالغناء أتى له بعود فغناه : حدّثني جحظة قال حدّثني أبو عبد اللَّه بن حمدون قال حدّثني ابن فيلا الطَّنبوريّ وكان قد دخل على الواثق وغنّاه ، قال : قال الواثق في بعض العشايا : لا يبرح أحد من المغنّين الليلة ، فقد عزمت على الصّبوح في غد ؛ فأمسكوا جميعا عن معارضته إلا إسحاق فإنه قال له : لا وحياتك ما أبيت ؛ قال : فلا واللَّه ما كان له عند الواثق معارضة أكثر من أن قال له : فبحياتي إلَّا بكَّرت [ 1 ] يا أبا محمد . قال : فرأيت مخارقا وعلَّويه قد تقطَّعا غيظا ؛ وبتنا في بعض الحجر ، فقالا لي [ 2 ] : اجلس على باب الحجرة ، فإذا جاء إسحاق فعرّفنا حتى ندخل بدخوله ؛ فلم نلبث أن جاء إسحاق مع أحمد بن أبي داود يماشيه في زيّه وسواده وطريلته [ 3 ] مثل طويلته ، فدخلت فأعلمتهما ؛ فقامت على علَّويه القيامة / وقال : يا هؤلاء ، خيناكر [ 4 ] يدخل إلى الخليفة مع قاضي القضاة ! أسمعتم بأعجب من هذا البخت قطَّ ! ؛ فقال له مخارق : دع هذا عنك ، فقد واللَّه بلغ ما أراد . ولم نلبث أن خرج ابن أبي دواد ودعي [ 5 ] بنا فدخلنا ، فإذا إسحاق جالس في صف الندماء لا يخرج منه ، فإذا أمره الواثق أن يغنّي خرج عن صفّهم قليلا وأتي بعود فغنّى الصوت الذي يأمره به ؛ فإذا فرغ من القدح قطع الصوت الذي يأمره به حيث بلغ ولم يتمّه ، ورجع إلى صفّ الجلساء . قصته مع إبراهيم بن المهديّ في مجلس الرشيد : أخبرني محمد بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم الموصليّ الملقّب بوسواسة قال حدّثني حمّاد قال : قال لي أبي : كنت عند الرشيد يوما ، وعنده ندماؤه وخاصّته وفيهم إبراهيم / بن المهديّ ، فقال لي الرشيد : يا إسحاق تغنّ : شربت مدامة وسقيت أخرى وراح المنتشون وما انتشيت فغنّيته ؛ فأقبل عليّ إبراهيم بن المهديّ فقال لي : ما أصبت يا إسحاق ولا أحسنت ؛ فقلت : ليس هذا مما تحسنه ولا تعرفه ، وإن شئت فغنّه ، فإن لم أجدك أنك تخطىء فيه منذ ابتدائك إلى انتهائك فدمي حلال . ثم أقبلت على الرشيد فقلت : يا أمير المؤمنين ، هذه صناعتي وصناعة أبي ، وهي التي قرّبتنا منك واستخدمتنا لك وأوطأتنا بساطك ، فإذا نازعناها [ 6 ] أحد بلا علم لم نجد بدّا من الإيضاح والذبّ ؛ فقال : لا غرو [ 7 ] ولا لوم عليك ؛ فقام الرشيد ليبول ؛ فأقبل إبراهيم بن المهديّ عليّ وقال : / ويلك يا إسحاق ! أتجترىء عليّ وتقول ما قلت يا بن الفاعلة !

--> [ 1 ] في الأصول : « إلا بكر » . [ 2 ] في الأصول : « فقال لي » ، وهو تحريف . [ 3 ] انظر الحاشيتين رقم 2 و 3 ص 414 من الجزء الأوّل من طبعة هذا الكتاب . [ 4 ] انظر الحاشية رقم 3 ص 183 من هذا الجزء . [ 5 ] في أ ، ء ، س : « ودعا بنا » . [ 6 ] كذا في ح ، م ، ء . وفي سائر الأصول : « نازعنا بها » . [ 7 ] في أ ، ء : « لا عدو » . والعدو ( وزان غزو ) : الظلم .