أبي الفرج الأصفهاني
187
الأغاني
البيت الثاني ، فليردده ؛ فردّه فنقص من أجزائه وفسمته ، فعرّفته فأقرّ به ؛ فقلت : يا أمير المؤمنين ، هذه صناعتي وصناعة آبائي وإبراهيم يكلَّمني فيها ، وأنا أسأله عن ثلاثين مسألة من باب واحد في طريق الغناء لا يعرف منها مسألة واحدة ؛ فقال : أو يعفيني أمير المؤمنين من كلامه ؟ فأعفاه . وقد أخبرني بهذا الخبر الحسن بن عليّ قال حدّثنا يزيد بن محمد المهلَّبي عن إسحاق ؛ فذكر نحوا مما ذكره يحيى ، وذكر أنّ القصة كانت بين يدي المعتصم ؛ وزاد فيها فقال : أنا أسأله عن ثلاثين مسألة وأوقفه على خطئه فيها ، فإن لم يقرّ بذلك أقرّ به مخارق وعلَّويه ؛ فقال : أو يعفيني أمير المؤمنين من كلامه ! فإنه يعدل عندي البختج [ 1 ] ؛ قلت : يا أمير المؤمنين ، وما يفعل البختج ؟ قال : يسلح ؛ قلت [ 2 ] : قد واللَّه فعل ذلك كلامي به ، ومنه هرب ؛ فضحك وغطَّى فاه وقام ؛ فظنّ إسحاق بن إبراهيم المصعبيّ أنّي قد أغضبته ، فضرب بيده إلى السيف ؛ فقلت له : لا تحسب أنّي أغضبته ؛ فما كنت لأكلَّم عمّه بين يديه بهزء [ 3 ] من غير إذنه ، فأمسك ؛ وكان لا يقدم أحد أن يكلَّم الخليفة بحضرته بما فيه الوهن إلا بادر إلى سيفه تعظيما للأمير [ 4 ] وإجلالا له . عرف في مجلس المأمون خطأ في وتر بين ثمانين وترا وعشرين جارية يغنين : أخبرني يحيى بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن القاسم الهاشميّ عن إسحاق ، وأخبرني الحسين بن يحيى قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال : / دعاني المأمون وعنده إبراهيم بن المهديّ ، وفي مجلسه عشرون جارية قد أجلس عشرا عن يمينه وعشرا عن يساره ومعهنّ العيدان يضربن بها ؛ فلمّا دخلت سمعت من الناحية اليسرى خطأ فأنكرته ؛ فقال المأمون : يا إسحاق ، أتسمع خطأ ؟ فقلت : نعم واللَّه يا أمير المؤمنين ؛ فقال لإبراهيم : هل تسمع خطأ ؟ فقال : لا ؛ فأعاد عليّ السؤال ، فقلت : بلى واللَّه / يا أمير المؤمنين ، وإنه لفي الجانب الأيسر ؛ فأعاد إبراهيم سمعه إلى الناحية اليسرى ثم قال : لا واللَّه يا أمير المؤمنين ، ما في هذه الناحية خطأ ؛ فقلت يا أمير المؤمنين : مر الجواري اللواتي على اليمين يمسكن ، فأمرهنّ فأمسكن ؛ فقلت لإبراهيم : هل تسمع خطأ ؟ فتسمّع ثم قال : ما ها هنا خطأ ؛ فقلت : يا أمير المؤمنين ، يمسكن وتضرب الثامنة . فأمسكن وضربت الثامنة ، فعرف إبراهيم الخطأ ، فقال : نعم يا أمير المؤمنين ، هاهنا خطأ ؛ فقال عند ذلك لإبراهيم : يا إبراهيم ، لا تمار إسحاق بعدها ؛ فإن رجلا فهم الخطأ بين ثمانين وترا وعشرين حلقا لجدير ألَّا تماريه ؛ فقال : صدقت يا أمير المؤمنين . وقال الحسين بن يحيى في خبره : وكان في الأوتار كلَّها مثنى فاسد التسوية . وقال فيه : فطرب أمير المؤمنين المأمون ، وقال : للَّه درّك يا أبا محمد ؛ فكنّاني يومئذ . ثناء الواثق عليه : أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدّثني أحمد بن حمدون قال :
--> [ 1 ] البخنج ( كقنفذ كما جاء في « شرح القاموس » ) : العصير المطبوخ . [ 2 ] في جميع الأصول : « قال » وهو لا يتفق مع السياق . [ 3 ] في ح : « بهرا » بالراء ، والبهر : القذف والبهتان . وفي أ ، ء ، م : « بهذا » . [ 4 ] في ح ، ء : « للأمر » .