أبي الفرج الأصفهاني
185
الأغاني
ملاحظ : فما باله يا أمير المؤمنين يحيلك على الناس ! ولم لا يضرب هو ! فقال : يا أمير المؤمنين ، إنه لم يكن أحد في زماني أضرب مني إلا أنكم أعفيتموني ، فتفلَّت منّي ؛ وعلى أن معي بقية لا يتعلَّق بها أحد من / هذه الطبقة ؛ / ثم قال : يا ملاحظ ، شوّش عودك وهاته ، ففعل ذلك ملاحظ ؛ فقال : يا أمير المؤمنين ، هذا يخلَّط الأوتار تخليط متعنّت فهو لا يألو ما أفسدها ، ثم أخذ العود فجسّه ساعة حتى عرف مواقعه [ 1 ] ، ثم قال : يا ملاحظ ، غنّ أيّ صوت شئت ، فغنّى ملاحظ صوتا ، وضرب عليه إسحاق بذلك العود الفاسد التسوية فلم يخرجه عن لحنه في موضع واحد حتى استوفاه عن نقرة واحدة ، ويده تصعد وتنحدر على الدّساتين [ 2 ] ؛ فقال له الواثق : لا واللَّه ما رأيت مثلك ولا سمعت به ! اطرح هذا على الجواري ؛ فقال : هيهات يا أمير المؤمنين ، هذا لا تعرفه الجواري ولا يصلح لهنّ ، إنما بلغني أنّ الفهليذ ضرب يوما بين يدي كسرى فأحسن ، فحسده رجل من حذّاق أهل صنعته ، فترقّبه حتّى قام لبعض شأنه ، ثم خالفه إلى عوده فشوّش بعض أوتاره ، فرجع فضرب وهو لا يدري ، والملوك لا تصلح في مجالسها العيدان ، فلم يزل يضرب بذلك العود الفاسد إلى أن فرغ ، ثم قام على رجله فأخبر الملك بالقصّة ، فامتحن العود فعرف ما فيه ، ثم قال : « زه [ 3 ] وزه وزهان زه » ، ووصله بالصّلة التي كان يصل بها من خاطبه هذه المخاطبة ؛ فلمّا تواطأت الرواية بهذا أخذت نفسي ورضتها عليه وقلت : لا ينبغي أن يكون الفهليذ أقوى على هذا منّي ، فما زلت أستنبطه بضع عشرة سنة حتى لم يبق في الأرض موضع على طبقة من الطبقات إلا وأنا أعرف نغمته كيف هي ، والمواضع التي يخرج النغم كلها / منه فيها ، من أعاليها إلى أسافلها ، وكلّ شيء منها يجانس شيئا غيره ، كما أعرف ذلك في مواضع الدّساتين ؛ وهذا شيء لا تفي [ 4 ] به الجواري . قال له الواثق : صدقت ، ولئن متّ لتموتنّ هذه الصناعة معك ؛ وأمر له بثلاثين ألف درهم . نسبة هذا الصوت صوت علَّق قلبي ظبية السّيب جهلا فقد أغري بتعذيبي نمّت عليها حين مرّت بنا مجاسد [ 5 ] ينفحن بالطَّيب تصدّها عنّا عجوز لها [ 6 ] منكرة [ 7 ] ذات أعاجيب
--> [ 1 ] كذا في « مختار الأغاني » لابن منظور . وفي الأصول : « حتى عرف مواقعه فغنى ، ثم قال . . . إلخ » بزيادة كلمة « فغنى » ، وظاهر أنها مقحمة . [ 2 ] كذا في ح . والدساتين : والدستانات : ما عليه أطراف أوتار العود من مقدمه ، وهي كلمة فارسية ، وتسمى العرب ذلك : العتب ( بالتحريك ) . وفي سائر الأصول : « الرساتين » بالراء ، وهو تحريف . [ 3 ] كلمة فارسية ومعناها : أحسنت أحسنت . [ 4 ] كذا في ح و « مختار الأغاني » ، إلا أنه رسم في ح : « لا تفيء » بالهمز ، ولعله تحريف من الناسخ . ولا تفي : لا تأتي به وافيا ، أي إن الجواري يقصرن عنه ولا يستطعن أداءه . وفي سائر الأصول : « لا تغني » . [ 5 ] المجاسد : القمصان ، واحدها مجسد ( بضم الميم من أجسده بالهمز ، أو جسده بالتضعيف ) وهو ما صبغ بالجسد أي الزعفران . [ 6 ] كذا في ب ، س . وفي سائر الأصول : « لنا » . [ 7 ] منكرة : مبغضة مكروهة .