أبي الفرج الأصفهاني
139
الأغاني
أحبّ إليّ منك ، لأمر لا يصلح له غيرك ، فانظر كيف تكون [ 1 ] ! قال : أبلغ في ذلك محبّتك إن شاء اللَّه تعالى ؛ فأدّى إليه الخبر وقال : أريد أن تمضي الساعة / إلى ابن جامع ، فتعلمه أنك صرت إليه مهنّئا بما تهيّأ له عليّ ، وتنقّصني [ 2 ] وتثلبني [ 3 ] وتشتمني ، وتحتال في أن تسمع منه الأصوات وتأخذها منه ، ولك ما تحبّه من جهتي من عرض من الأعراض مع رضا الخليفة إن شاء اللَّه . قال : فمضى من عنده وأستأذن على ابن جامع فأذن له ، فدخل وسلَّم عليه وقال : جئتك مهنّئا بما بلغني من خبرك ، والحمد للَّه الذي أخزى ابن الجرمقانيّة [ 4 ] على يدك ، وكشف الفضل في محلَّك من صناعتك ؛ قال : وهل بلغك خبرنا ؟ قال : هو أشهر من أن يخفى على مثلي ؛ قال : ويحك ! إنه يقصر عن العيان ؛ قال : أيها الأستاذ ، سرّني بأن أسمعه من فيك حتى أرويه عنك ، وأسقط بيني وبينك الأسانيد ؛ قال : أقم عندي حتى أفعل ؛ قال : السمع والطاعة ؛ فدعا له ابن جامع بالطعام فأكلا ودعا بالشراب ، ثم ابتدأ فحدّثه بالخبر حتى انتهى إلى خبر الصوت الأوّل ؛ فقال له الزّف : وما هو أيها الأستاذ ؟ فغنّاه ابن جامع إياه ، فجعل محمد يصفّق وينعر [ 5 ] ويشرب وابن جامع مجتهد في شأنه حتى أخذه عنه . ثم سأله عن الصوت الثاني ، فغنّاه إياه ، وفعل مثل فعله في الصوت الأوّل ، ثم كذلك في الصوت الثالث ؛ فلما أخذ الأصوات الثلاثة كلَّها وأحكمها قال له : يا أستاذ ، قد بلغت ما أحبّ ، فتأذن لي في الانصراف ؟ قال : إذا شئت ؛ فانصرف محمد من وجهه إلى إبراهيم ؛ / فلما طلع من باب داره قال له : ما وراءك ؟ قال : كلّ ما تحب ، ادع لي بعود ، فدعا له به ، فضرب وغنّاه الأصوات ؛ قال إبراهيم : وأبيك / هي بصورها [ 6 ] وأعيانها ، ردّدها عليّ الآن ، فلم يزل يردّدها حتى صحّت لإبراهيم ، وانصرف الزّف إلى منزله ؛ وغدا إبراهيم إلى الرشيد ، فلما دعا بالمغنّين دخل فيهم ، فلما بصر به قال له : أو قد حضرت ! أما كان ينبغي لك أن تجلس في منزلك شهرا بسبب ما لقيت من ابن جامع ! قال : ولم ذلك يا أمير المؤمنين ؟ جعلني اللَّه فداءك ! واللَّه لئن أذنت لي أن أقول لأقولنّ ؛ قال : وما عساك أن تقول ؟ قل ؛ فقال : إنه ليس ينبغي لي ولا لغيري أن يراك نشيطا لشيء فيعارضك ، ولا أن تكون متعصّبا لحيّز وجنبة [ 7 ] فيغالبك ، وإلا فما في الأرض صوت لا أعرفه ، قال : دع ذا عنك ، قد أقررت أمس بالجهالة بما سمعت من صاحبنا ، فإن كنت أمسكت عنه بالأمس على معرفة كما تقول فهاته اليوم ، فليس هاهنا عصبيّة ولا تمييز ، فاندفع فأمرّ الأصوات كلَّها ، وابن جامع مصغ يسمع منه ، حتى أتى على آخرها ؛ فاندفع ابن جامع فحلف بالأيمان المحرجة أنه ما عرفها قطَّ ولا سمعها ولا هي إلا من صنعته ، ولم تخرج إلى أحد غيره ؛ فقال له : ويحك ! فما أحدثت بعدي ؟ قال : ما أحدثت حدثا ؛ فقال : يا إبراهيم بحياتي اصدقني ! فقال : وحياتك لأصدقنّك ، رميته بحجره [ 8 ] ، فبعثت له بمحمد الزّف وضمنت له ضمانات ، أوّلها رضاك عنه ،
--> [ 1 ] في ب ، س ، ح : « كيف يكون » . [ 2 ] كذا في ب ، س . وفي ط ، ء : « وتقصبني » بالباء الموحدّة أي تعيبني وتشتمني . [ 3 ] ثلبه : عابه وتنقصه . [ 4 ] الجرمقاني ، ومثله الجرمقي : واحد الجرامقة ، وهم قوم من العجم صاروا بالموصل في أوائل الإسلام . ( انظر « القاموس » و « شرحه » مادّة جرمق ) . [ 5 ] نعر الرجل ( من بابي ضرب ومنع ) : صاح وصوّت بخيشومه . [ 6 ] كذا في ط ، ء . وفي سائر الأصول : « بصورتها » . [ 7 ] الجنبة : الناحية . [ 8 ] في أساس البلاغة : « ورمى فلان بحجره إذا قرن بمثله » .