أبي الفرج الأصفهاني
505
الأغاني
فقال : هو عليل ؛ فعاد إليه فقال الرسول : لا بدّ من أن تجيء ؛ فجاء به محمولا في محفّة ؛ فحدّثنا ساعة ثم غنّى . فكان فيما غنّى : تقول عرسي إذ نبا المضجع ما بالك الليلة لا تهجع فاستحسنّاه منه واستعدناه منه مرارا ؛ ثم انصرف ومات في علَّته تلك ؛ وكان آخر العهد به ذلك المجلس . روى قصة فتى عاشق غناه هو وعشيقته فبعثت إليه مهرها ليخطبها إلى أبيها : أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدّثني محمد بن أحمد بن يحيى المكَّيّ قال حدّثني أبي عن فليح بن أبي العوراء قال : كان بالمدينة فتى يعشق ابنة عمّ له ، فوعدته أن تزوره . وشكا إليّ أنّها تأتيه ولا شيء عنده ، فأعطيته دينارا للنفقة . فلمّا زارته قالت له : من يلهّينا ؟ قال : صديق لي ، ووصفني لها ، ودعاني فأتيته ؛ فكان أوّل ما غنّيته : / من الخفرات لم تفضح أخاها ولم ترفع لوالدها شنارا [ 1 ] فقامت إلى ثوبها فلبسته لتنصرف ؛ فعلق بها وجهد بها كلّ الجهد في أن تقيم ، فلم تقم وانصرفت . فأقبل عليّ يلومني في أن غنّيتها ذلك الصوت . فقلت : واللَّه ما هو شيء اعتمدت به مساءتك ، ولكنه شيء اتّفق . قال : فلم نبرح حتى عاد رسولها بعدها ومعه صرّة فيها ألف / دينار ودفعها إلى الفتى وقال له : تقول لك ابنة عمّك : هذا مهري ادفعه إلى أبي ، واخطبني ؛ ففعل فتزوّجها . نسبة هذا الصوت صوت من الخفرات لم تفضح أخاها ولم ترفع لوالدها شنارا كأنّ مجامع الأرداف منها نقا [ 2 ] درجت عليه الريح هارا يعاف وصال ذات البذل قلبي وأتّبع الممنّعة النّوارا [ 3 ] والشعر لسليك بن السّلكة السّعديّ . والغناء لابن سريج رمل بالسبّابة في مجرى الوسطى . وفيه لابن الهربذ لحن من رواية بذل ، أوّله : يعاف وصال ذات البذل قلبي وبعده : غذاها قارص [ 4 ] يغدو عليها ومحض حين تنتظر العشارا
--> [ 1 ] الخفرة : الشديدة الحياء . والشنار : العيب والعار . [ 2 ] النقا ( مقصور ) : الكثيب من الرمل . وهار : سقط وتهدّم . [ 3 ] النوار : المرأة النفور من الريبة والجمع نور . [ 4 ] القارص : لبن يحذي اللسان أو حامض يحلب عليه حليب كثير حتى تذهب الحموصة . والمحض : اللبن الخالص . والعشار : جمع -