أبي الفرج الأصفهاني
386
الأغاني
العسكر ثم رجع إليهم ، فقال : ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصونه ، ولكن أمهلوني حتّى أنظر : أللقوم كمين أو مدد . قال : فضرب في الوادي حتى أمعن ، فلم ير شيئا ، فرجع فقال : لم أر شيئا ، ولكن قد رأيت / يا معشر قريش الولايا [ 1 ] تحمل المنايا ! نواضح [ 2 ] يثرب تحمل الموت الناقع ! قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلَّا سيوفهم . واللَّه ما أرى أن يقتل رجل منهم حتّى يقتل رجلا منكم ! فإذا أصابوا منكم أعدادهم ، فما خير العيش بعد ذلك ! فروا رأيكم . فلمّا سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس فأتى عتبة بن ربيعة وقال : يا أبا الوليد ، إنّك كبير قريش الليلة وسيّدها والمطاع فيها ، هل لك إلى أمر لا تزال تذكر منه بخير إلى آخر الدهر ؟ قال : وما ذاك يا حكيم ؟ قال : ترجع بالناس وتحمل دم حليفك عمرو بن الحضرميّ . قال : قد فعلت ، أنت على ذلك شهيد ، إنما هو حليفي فعليّ عقله [ 3 ] وما أصيب من ماله ؛ فأت ابن الحنظليّة [ 4 ] فإنّي لا أخشى أن يسحر الناس غيره ( يعني أبا جهل بن هشام ) . يقص حكيم بن حزام حديث بدر لمروان بن الحكم : حدّثنا محمد قال حدّثنا الزّبير بن بكَّار قال حدّثنا غمامة [ 5 ] بن عمرو السّهمي قال حدّثنا مسوّر بن عبد الملك اليربوعيّ عن أبيه عن سعيد بن المسيّب قال : بينا نحن عند مروان بن الحكم إذ دخل عليه حاجبه فقال : هذا أبو خالد حكيم بن حزام . قال : إيذن له . فلمّا دخل حكيم بن حزام ، قال : مرحبا بك يا أبا خالد ، أدن ؛ فحال له مروان عن صدر المجلس حتّى كان بينه وبين الوسادة ، ثم استقبله مروان فقال : حدّثنا حديث بدر . قال : خرجنا حتّى إذا نزلنا الجحفة رجعت قبيلة من قبائل قريش بأسرها ، فلم يشهد أحد من مشركيهم بدرا ؛ ثم خرجنا حتّى نزلنا العدوة التي / قال اللَّه عزّ وجلّ ؛ فجئت عتبة بن ربيعة فقلت : يا أبا الوليد ، هل لك أن تذهب بشرف هذا اليوم ما بقيت ؟ قال : أفعل ماذا ؟ قال : قلت : إنّكم لا تطلبون من محمد إلَّا دم واحد : ( ابن الحضرميّ ) وهو حليفك ، فتحمّل ديته فيرجع الناس . قال : أنت وذاك ، وأنا أتحمّل ديته ، فاذهب إلى ابن الحنظليّة ( يعني أبا جهل ) فقل له : هل لك أن ترجع اليوم بمن معك عن ابن عمّك ؟ فجئته فإذا هو في جماعة من بين يديه ومن ورائه ، فإذا ابن الحضرميّ واقف على رأسه وهو يقول : قد فسخت عقدي من بني عبد شمس ، وعقدي إلى بني مخزوم . فقلت له : يقول لك عتبة بن ربيعة : هل لك أن ترجع اليوم عن ابن عمّك بمن معك ؟ قال : أما وجد رسولا غيرك ؟ قلت : لا ، ولم أكن لأكون رسولا لغيره . قال حكيم : فخرج مبادرا إلى عتبة وخرجت معه لئلا يفوتني من الخبر شيء ، وعتبة يتّكىء على إيماء بن رحضة الغفاريّ ، وقد أهدى
--> [ 1 ] الولايا : جمع ولية ، وهي البرذعة أو ما تحتها . [ 2 ] النواضح : جمع ناضح . والناضح : البعير يستقى عليه ، ثم استعمل في كل بعير وإن لم يحمل الماء . [ 3 ] العقل : الدية . [ 4 ] قال ابن هشام : الحنظلية أم أبي جهل ، وهي أسماء بنت مخرّبة أحد بني نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم . [ 5 ] كذا في الأصول بالغين المعجمة . وقد ذكر الطبري ( قسم أوّل ص 1313 ) هذا القصة بهذا الإسناد ، وفيه : « عمامة بن عمرو السهمي » بالعين المهملة . وفي هامشه في الصفحة نفسها نقلا عن نسخة أخرى : « غمامة » بالغين المعجمة كما في الأصول . وفي القسم الثالث من الطبري ( ص 268 ) : « عثامة بن عمرو السهمي » . وفي هامشه في الصفحة نفسها نقلا عن نسختين أخريين : « غمانة » بالغين و « عتّامة » بالعين والتاء . ولم نعثر على هذا الاسم في « كتب التراجم » حتى نستطيع ترجيح أحد هذه الأسماء .