أبي الفرج الأصفهاني
377
الأغاني
وقف بالأبطح ، ثم صرخ بأعلى صوته : أن انفروا / يا آل غدر [ 1 ] لمصارعكم في ثلاث ؛ وأرى [ 2 ] الناس قد اجتمعوا إليه ، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه ؛ فبينما هم حوله مثّل به بعيره على ظهر الكعبة ، ثم صرخ بأعلى صوته : انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ، ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس فصرخ بمثلها ، ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي ، حتّى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضّت [ 3 ] ، فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار من دورها إلَّا دخلتها منها فلقة . قال العباس : إنّ هذه لرؤيا ، وأنت فاكتميها ولا تذكريها لأحد . ثم خرج العبّاس فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة ، وكان له صديقا ، فذكرها [ له ] [ 4 ] واستكتمه إيّاها ؛ فذكرها الوليد لأبيه عتبة ، ففشا الحديث [ بمكة ] [ 4 ] حتى تحدثت به قريش . قال العبّاس : فغدوت أطوف بالبيت ، وأبو جهل بن هشام ورهط من قريش قعود يتحدّثون برؤيا عاتكة . فلمّا رآني أبو جهل قال : يا أبا الفضل ، إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا ؛ فلمّا فرغت أقبلت إليه حتى جلست معهم . فقال لي أبو جهل : يا بني عبد المطَّلب [ 5 ] ، متى حدثت فيكم هذه النّبيّة ؟ ! قال : قلت : وما ذاك ؟ قال : الرؤيا التي رأت عاتكة . قلت : وما رأت ؟ قال : يا بني عبد المطَّلب ، أما رضيتم أن تتنبّأ رجالكم حتى تتنبّأ نساؤكم ! قد زعمت عاتكة في رؤياها أنّها [ 6 ] قالت : انفروا في ثلاث ؛ فسنتربّص بكم هذه الثلاث ؛ فإن يكن ما قالت حقّا فسيكون ، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكتب كتابا عليكم أنّكم أكذب أهل بيت في العرب . قال العبّاس : / فو اللَّه ما كان إليه منّي كبير إلَّا أن جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئا . قال : ثم تفرّقنا . فلمّا أمسينا [ 7 ] لم تبق امرأة من بني عبد المطَّلب إلَّا أتتني فقالت : أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم ، ويتناول النساء وأنت تسمع ، ولم يكن عندك غير [ 8 ] لشيء مما سمعت ؟ ! قلت : قد واللَّه فعلت ، ما كان منّي إليه من كبير ، وأيم اللَّه لأتعرّضنّ له ؛ فإن عاد لأكفينّكنّه [ 9 ] . قال : فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب أرآى [ أنّي ] [ 10 ] قد فاتني منه أمر أحبّ أن أدركه منه . قال : فدخلت المسجد فرأيته ، فو اللَّه إنّي لأمشي نحوه العرضنة [ 11 ] ليعود لبعض ما كان فأوقع به . وكان رجلا خفيفا حديد الوجه حديد اللَّسان حديد النّظر ، إذ خرج نحو باب المسجد يشتدّ [ 12 ] . قال : قلت في نفسي : ما له لعنه اللَّه ! أكلّ هذا فرقا أن أشاتمه ! فإذا هو قد سمع ما لم أسمع ، صوت ضمضم بن عمرو الغفاريّ / وهو يصرخ ببطن الوادي [ واقفا على بعيره قد جدّع بعيره وحوّل رحله وشقّ قميصه وهو يقول ] [ 10 ] : يا معشر قريش اللَّطيمة [ 13 ] [ اللطيمة ! ] [ 10 ] أموالكم مع أبي سفيان بن حرب قد عرض لها
--> [ 1 ] غدر : كصرد ، وأكثر ما يستعمل في النداء في الشتم ؛ فيقال للمفرد يا غدر ، وللجمع يا آل غدر . وقال ابن الأثير : غدر معدول عن غادر للمبالغة . ويقال للذكر : غدر ، والأنثى غدار ( كقطام ) ، وهما مختصان بالنداء في الغالب . [ 2 ] في « السيرة » : « فأرى » . [ 3 ] أرفضت : تفرّقت . [ 4 ] الزيادة عن « سيرة ابن هشام » . [ 5 ] كذا في « السيرة » . وفي الأصول : « يا بني عبد مناف » ولا يخفى أن عبد مناف جد عبد المطلب . [ 6 ] في « سيرة ابن هشام » : « أنه قال انفروا إلخ » ويكون المراد بضمير المذكر الهاتف الذي رأته . [ 7 ] في « السيرة » : « أمسيت » . [ 8 ] مصدر قولك : غار الرجل على امرأته غيرة وغيرا . [ 9 ] كذا في « السيرة » . وفي الأصول : « لأكفينكموه » وهو تحريف إذ الخطاب لجماعة الإناث . [ 10 ] زيادة عن « السيرة » . [ 11 ] يقال : فلان يمشي العرضنة والعرضنى أي في مشيته بغى من نشاطه . وفي « السيرة لابن هشام » : « إني لأمشي نحوه أتعرّضه » . [ 12 ] يشتدّ : يعدو . [ 13 ] اللطيمة : العير يحمل الطيب وبز التجار .