أبي الفرج الأصفهاني

30

الأغاني

عقله [ 1 ] ، فإنك قد عرفت / أن الصريح لا يقتل بالمولى ؛ قال : لا آخذ في مولاي دون دية الصريح ، فأبوا إلا دية المولى . فلما رأى ذلك مالك بن العجلان جمع قومه من الخزرج ، وكان فيهم مطاعا ، وأمرهم بالتهيّؤ للحرب . فلمّا بلغ الأوس استعدّوا لهم وتهيّئوا للحرب واختاروا الموت على الذلّ ؛ ثم خرج بعض القوم إلى بعض فالتقوا بالصّفينة بين بئر سالم [ 2 ] وبين قباء ( قرية لبني عمرو بن عوف ) فاقتتلوا قتالا شديدا حتى نال بعض القوم من بعض . ثم إنّ رجلا من الأوس نادى : يا مالك ، ننشدك اللَّه والرّحم [ 3 ] - وكانت أمّ مالك إحدى نساء بني عمرو بن عوف - فاجعل بيننا وبينك عدلا من قومك فما حكم علينا سلَّمنا لك ؛ فارعوى مالك عند ذلك ، وقال نعم ؛ فاختاروا عمرو بن امرئ القيس أحد بني الحارث بن الخزرج فرضي القوم به ، واستوثق منهم ، ثم قال : فإنّي أقضي بينكم : إن كان سمير قتل صريحا من القوم فهو به قود ، وإن قبلوا العقل فلهم / دية الصريح ؛ وإن كان قتل مولى فلهم دية المولى بلا نقص ، ولا يعطى فوق نصف الدية ، وما أصبتم منا في هذه الحرب ففيه الدية مسلَّمة إلينا ، وما أصبنا منكم فيها علينا فيه دية مسلَّمة إليكم . فلما قضى بذلك عمرو بن امرئ القيس غضب مالك بن العجلان ورأى أن يردّ عليه رأيه ، وقال : لا أقبل هذا القضاء ؛ وأمر قومه بالقتال ، فجمع القوم بعضهم لبعض ثم التقوا بالفضاء [ 4 ] عند آطام بني قينقاع ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، ثم تداعوا إلى الصلح فحكَّموا ثابت بن حرام بن المنذر أبا حسّان بن ثابت النّجّاريّ ، فقضى بينهم أن يدوا مولى مالك بن العجلان بدية الصّريح ثم تكون السّنّة فيهم بعده على مالك وعليهم كما كانت أوّل مرّة : المولى على ديته ؛ والصّريح على ديته ؛ فرضي مالك وسلَّم الآخرون . وكان ثابت إذ حكَّموه / أراد إطفاء النائرة [ 5 ] فيما بين القوم ولمّ شعثهم ، فأخرج خمسا من الإبل من قبيلته حين أبت عليه الأوس أن تؤدّي إلى مالك أكثر من خمس وأبى مالك أن يأخذ دون عشر . فلما أخرج ثابت الخمس أرضى مالكا بذلك ورضيت الأوس ، واصطلحوا بعهد وميثاق ألا يقتل رجل في داره ولا معقله - والمعاقل : النخل - فإذا خرج رجل من داره أو معقله فلا دية له ولا عقل . ثم انظروا [ 6 ] في القتلى فأيّ الفريقين فضل على صاحبه ودى له صاحبه . فأفضلت الأوس على الخزرج بثلاثة نفر فودتهم الأوس واصطلحوا . ففي ذلك يقول حسّان بن ثابت لما كان أبوه أصلح بينهم ورضاهم بقضائه في ذلك : وأبي في سميحة القائل ألفا صل حين التفّت عليه الخصوم وفي ذلك يقول قيس بن الخطيم قصيدته وهي طويلة : ردّ الخليط الجمال فانصرفوا ماذا عليهم لو أنّهم وقفوا أنشد عمر بن عبد العزيز شيئا من شعره وقال هو أنسب الناس : أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزبير بن بكَّار قال حدّثني عبد الرحمن بن أبي الزّناد عن أبيه قال :

--> [ 1 ] عقله : ديته . [ 2 ] كذا في ط : وفي سائر النسخ : « بني سالم » انظر ص 24 من هذا الجزء . [ 3 ] في ب ، س ، ح : « ننشدك باللَّه والرحم » . [ 4 ] كذا في ط ، ء : والفضاء كما في « ياقوت » : موضع بالمدينة ، ولم يعينه . ولعله هو المراد هنا أو أنه أراد مطلق الفضاء المتسع . [ 5 ] كذا في ط ، ء . والنائرة : الفتنة القائمة المنتشرة . وفي باقي الأصول : « إطفاء الثائرة » بالثاء المثلثة . [ 6 ] كذا في جميع الأصول . وكان الأولى بالسياق أن يقول : « ثم قال انظروا إلخ » أو « ثم أن ينظروا » على أن يكون معطوفا على معمول « فقضى » المتقدّمة .