أبي الفرج الأصفهاني
28
الأغاني
فلا واللَّه لو ملَّكت أمري ومن لي بالتّدبّر في الأمور إذا لعصيتهم في حبّ سلمى على ما كان من حسك [ 1 ] الصدور فيا للنّاس كيف غلبت أمري على شيء ويكرهه ضميري قصة عروة وامرأته سلمى الغفارية : قال إسحاق وحدّثني الواقديّ قال حدّثني عبد الرحمن بن أبي الزّناد عن أبيه قال : لما غزا النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بني النّضير وأجلاهم عن المدينة خرجوا يريدون خيبر يضربون بدفوف ويزمرون بالمزامير وعلى النساء المعصفرات وحليّ الذهب مظهرين لذلك تجلَّدا ، ومرّت في الظَّعن [ 2 ] يومئذ سلمى امرأة عروة بن الورد [ العبسي ] [ 3 ] ، وكان عروة حليفا في بني عمرو بن عوف ، وكانت سلمى من بني غفار ، فسباها عروة من قومها وكانت ذات جمال فولدت له أولادا وكان شديد الحب لها وكان ولده يعيّرون بأمّهم ويسمّون بني الأخيذة - أي السّبية - فقالت : ألا ترى ولدك يعيّرون ؟ قال : فماذا ترين ؟ قالت : أرى أن تردّني إلى قومي حتى يكونوا هم الذين يزوّجونك فأنعم [ 4 ] لها ، فأرسلت إلى قومها أن ألقوه بالخمر ثم اتركوه حتى يسكر ويثمل فإنه لا يسأل حينئذ شيئا إلا أعطاه ؛ فلقوه وقد نزل في بني النّضير فسقوه الخمر ، فلما سكر سألوه سلمى فردّها عليهم ثم أنكحوه بعد . ويقال : إنما جاء بها إلى بني النّضير ، وكان صعلوكا يغير ، فسقوه الخمر ، فلما انتشى منعوه ولا شيء معه إلا هي فرهنها ، ولم يزل يشرب حتى غلقت [ 5 ] ؛ فلما قال لها : انطلقي قالت : لا سبيل إلى ذلك ، قد أغلقتني . فبهذا صارت عند بني النّضير . فقال في ذلك : سقوني الخمر ثم تكنّفوني عداة اللَّه [ 6 ] من كذب وزور / هذه الأبيات مشهورة بأن لطويس فيها غناء ، وما وجدته في شيء من الكتب مجنّسا فتذكر طريقته . كان يغري بين الأوس والخزرج ويتغنى بالشعر الذي قيل في حروبهم : قال إسحاق وحدّثني المدائنيّ قال : كان طويس ولعا بالشعر الذي قالته الأوس والخزرج في حروبهم ، وكان يريد بذلك الإغراء ، فقلّ مجلس اجتمع فيه هذان / الحيّان فغنّى فيه طويس إلا وقع فيه شيء ؛ فنهي عن ذلك ، فقال : واللَّه لا تركت الغناء بشعر الأنصار حتى يوسّدوني التراب ؛ وذلك لكثرة تولَّع القوم به ، فكان يبدي السرائر ويخرج الضغائن ، فكان القوم يتشاءمون به .
--> [ 1 ] الحسك : الشوك ، ويكنى به عن العداوة والحقد . [ 2 ] الظعن : جمع ظعينة وهي المرأة في هودجها ، وقد يقال للمرأة ظعينة وإن كانت في بيتها لأنها تصير ظعينة أي مظعونا بها . ويسمى الهودج أيضا ظعينة سواء كانت فيه امرأة أم لا . [ 3 ] زيادة في أ ، م . [ 4 ] أنعم لها : قال لها نعم . [ 5 ] غلق الرهن في يد المرتهن : استحقه ، وذلك إذا لم يقدر الراهن على افتكاكه في الوقت المشروط . [ 6 ] في أ ، م ، ء ، ط : ألا للَّه من كذب وزور وقد تقدم هذا البيت باتفاق الأصول كما في رواية الصلب .